الرئيسية / وجهات نظر / التحول الديمقراطي في المغرب: عوائق جديدة
HAMI DINE

التحول الديمقراطي في المغرب: عوائق جديدة

بقلم: د. عبد العلي حامي الدين*

قصة التحول الديموقراطي في المغرب لازالت تواجه عوائق متنوعة، فنجاح المغرب في الحفاظ على استقراره بالمقارنة مع العديد من الدول التي عصفت باستقرارها رياح «الخريف العربي»، لا يعني بأن مسار التحول الديمقراطي لايعاني من صعوبات حقيقية.
ونحن على بعد بضعة أسابيع من الانتخابات البلدية المقررة في شهر أيلول/سبتمبر القادم بدأت خطابات بعض الأحزاب السياسية تكشف عن استراتيجيتها الانتخابية..والتي تحيل على مشروعها السياسي الاستراتيجي الرامي إلى وقف عجلة الإصلاح الديمقراطي في المغرب..
هل هي بوادر التحكم تعود من جديد؟ الانتخابات القادمة تعتبر امتحانا حقيقيا أمام المغرب ونموذجه في التحول الديمقراطي..
خطاب قيادات حزب الأصالة والمعاصرة بدأ يكشف بسذاجة عن جزء من هذه الاستراتيجية: ادعاء امتلاك القوة الذي يستبطن ابتزازا واضحا للدولة مما يستدعي وقفة حازمة لتوضيح الأمور..
أن يقف مسؤول سياسي لإقناع المواطنين بمشروعه السياسي وببرنامجه الانتخابي فهذا من صميم وظيفة الأحزاب السياسية، لكن أن يقف مسؤولو حزب سياسي تلاحقه نشأته غير الطبيعية وقربه من دوائر نافذة داخل السلطة ليوزع الاتهامات في حق رجال الدرك ويتحدث بوثوقية عن علاقته بالجنرال قائد الدرك ويوزع الاتهامات بالرشوة واستغلال النفوذ والفساد في حق رجال السلطة في إحدى مناطق الشمال، وأن ينتقل إلى التحريض المباشر لساكنة المنطقة على زراعة الكيف (نبتة طبيعية تستخدم في صناعة المخدرات)، وما يستتبع ذلك من تشجيع على تجارة المخدرات كنتيجة طبيعية للتأصيل السياسي لزراعة المادة الأولية لها التي هي الكيف، بدعوى الانتقام من الدولة و الحكومة لأنها حرمت سكان الريف والمناطق الجبلية من الشغل والطرقات والمتاجر الفاخرة على غرار ما هو موجود في العاصمة الرباط، وعدم تحملها لمسؤوليتها في بناء الطرق والمدارس والمستشفيات والبنيات التحتية كما في المدن الكبرى..!! فهذا ما يمكن اعتباره تحريضا مباشرا للتمرد عن الدولة وتهديد العيش المشترك للمغاربة ولا يمكن اعتباره إلا مقدمة لمطالب انفصالية في شمال المغرب و ذلك عبر تقوية بذور ثقافة حاقدة اتجاه المدن واتجاه سكان الداخل..
الرسالة الأولى في خطاب قيادات حزب الأصالة والمعاصرة، هي أن «الحزب مستعد لتوفير الحماية لتجار المخدرات وتحصينهم من المتابعات القضائية شريطة تحالفهم معه في الانتخابات القادمة ودعمهم له بالمال والرجال»..وتذكير تجار المخدرات بقدرة هذا الحزب على عقاب كل من يرفض الانصياع منهم والدخول إلى بيت الطاعة، والأمثلة شاهدة على التنكيل ببعض «المتنطعين» منهم..و هو ما يدفعنا للتساؤل حول التوقيت المريب لاعتقال أحد البرلمانيين من نفس الحزب في هولاندا مؤخراً، و هو المعروف بسجله الحافل في مجال التجارة الدولية للمخدرات، والمعروف بقربه من قيادات هذا الحزب وتمويله القوي لأنشطته قبل لجوئه للخارج. هل للسلطات علاقة بتحريك المتابعة ضده في هولاندا؟ و لماذا هذا التوقيت بالضبط؟ هل المراد منه إيصال رسالة لأباطرة المخدرات من طرف هذا الحزب بأننا قادرون على أن نطالكم أين ما كنتم، و بالتالي فليس لكم من مفر سوى تقديم فروض الطاعة و الولاء عشية الانتخابات؟
علاقة الحزب المعلوم بتجار المخدرات علاقة ثابتة، ويتذكر المراقبون كيف أن لجنة الأخلاقيات داخل الحزب اضطرت بعد الانتخابات البلدية ل2009 أن تجمد عضوية عدد من الأعضاء نظرا لعلاقتهم بتجارة المخدرات..
الرسالة الثانية موجهة للدولة: «نعم لقد فشلنا في مواجهة حزب العدالة والتنمية وخاصة بعد اندلاع رياح الربيع العربي..لكن لا يمكن أن تتخلصوا منا بهذه السهولة..نحن وسطاء ضروريون في مناطق الريف والمناطق الجبلية..إننا قادرون على ضبط مئات الآلاف من مزارعي الكيف الصغار بالإضافة إلى قدرتنا على التواصل مع تجار المخدرات..» إنه استنساخ لتجارب التمرد على الدولة التي ظهرت في أمريكا اللاتينية و التي خبر قياديو هذا الحزب طرق اشتغالها بشكل جيد…
على الجميع أن يستحضر طبيعة نشأة هذا الحزب ذات الأبعاد المختلطة (يسار متطرف ذو ميولات معادية للملكية وحالمة بالجمهورية، النزعة الأمازيغية المتطرفة المعادية للهوية العربية، بالإضافة إلى عزفه المتكرر على وتر مظلومية أهل الريف وتهميشهم التاريخي) وهو يطالعنا بهذه التصريحات…
إنها تصريحات خطيرة وهي ليست سوى صدى لأطروحة التحكم التي تريد أن تجرب حظها من جديد، إنه خطاب التسلط و التجبر الذي عاد بنبرة مشابهة لتلك التي كان يستعملها هذا الحزب عند انطلاقه وهو الذي سبق له أن هشم بنية العديد من الأحزاب وقام بالسطو على جزء معتبر من منتخبيها وحطم ما تبقى لدى بعض قيادييها من كرامة، ونجح في تطويع قيادات حزبية أخرى وفرض عليها الاستجابة لضغوطاته المحفوفة بالكثير من التوظيف الرمزي للغة التحكم ولأشياء أخرى..
العديد من المراقبين يعتبرون بأن هذا المسار كان من الأسباب الرئيسية لاندلاع احتجاجات 20 فبراير، بعدما كانت البلاد تتجه نحو هيمنة حزب سياسي مدعوم من طرف الإدارة للاستحواذ على مفاصل الدولة والتحكم في منافذ الثروة..
إن البلاد مهددة في تجربتها السياسية الواعدة ومهددة في نموذجها في التحول الديمقراطي، بسبب كائنات سياسية لا تريد الديمقراطية والانتخابات النزيهة، ولا تجد حرجا في وضع يدها في يد مافيا تجار المخدرات لتحقيق أهدافها والوصول إلى المؤسسات المنتخبة..
الجميع مطالب بتحمل مسؤولياته ووقف غول التحكم التي بدأ يطل علينا من جديد..

٭ كاتب من المغرب/”القدس العربي”