الرئيسية / وجهات نظر / الصورة العربية من دون تجميل مفتعل
6de82430b38b891b92065ef336656616

الصورة العربية من دون تجميل مفتعل

زيارة الرئيس الأميركي الهادئة إلى المملكة العربية السعودية حدث خضع لتفسيرات مختلفة. الاشتباه الأصلي يكمن في النظرة إلى العلاقات العربية الأميركية، والقراءة غير الموضوعية لواقع المنطقة منذ مطلع الألفية الثالثة وانهيار آخر ركائز المشروع العربي، مصر، العراق وسوريا.
باستثناء إيران، تحولت المنطقة إلى “شرق أوسط جديد” في دائرة نفوذ أميركا والغرب سياسياً واقتصادياً وإلى حد بعيد عسكرياً. من دول مجلس التعاون الخليجي إلى العراق واليمن ثم الجزائر والسودان وليبيا، كلها شبكة واحدة لمنظومة الأمن الأميركي الغربي بالتكامل مع مصر وباكستان وتركيا وإثيوبيا وإسرائيل. عملياً لم يكن هناك قوة دولية في مواجهة هذا التحول، ولم يكن هناك محور عربي أو معسكر متعاون على مقاومة هذا الاجتياح.
إسقاط العراق بالاحتلال كان بمشاركة عربية شبه إجماعية. هل لعربي عاقل أن يعلن أو يبرهن عن تحرير العراق من ماذا وبواسطة من؟ حين جاء دور سوريا في هذا المسار “الجيوسياسي” تحولت إلى “أرض نصرة” للنفوذ الإيراني والروسي ولم تأخذ معركتها بُعداً عربياً.
هذه وقائع لا يجوز طمسها أو تجاهلها تحت لافتة “الممانعة والمقاومة”. صحيح هي ممانعة ومقاومة لوضع يد أميركا والغرب على سوريا كما هي حال الآخرين، لكنها فعلياً لا تؤدي إلى تأسيس مقاومة عربية، ولا حتى تحسين شروط العرب في النظام الإقليمي الذي يتكوّن من جديد. ربما كنا حالمين واهمين حين تمنينا أن تنضم سوريا إلى ركاب الثورات العربية بتجديد نفسها ونظامها، وتجمع بين “الممانعة” والتغيير لخلق ظروف نهوض عربي. ربما أيضاً كان المشهد العربي غير ما هو عليه الآن، وكانت تضحيات شعب سوريا الهائلة ركيزة في مواجهة “الرجعيات العربية”، أو “العربان” أو “الأعراق” كما في لغة الإعلام الرسمي السوري. تعكس هذه اللغة حالة من القطيعة بين سوريا و”العرب”، ليس الأنظمة فقط بل عموم “المزاج العربي”، خاصة إسلامه السياسي. لهذه المعطيات أصيب حلفاء أميركا التقليديون بالمرارة والخيبة من عدم حسمها للأمور في سوريا، وأصيب خصومها بالزهو والانشراح لما يعتقدونه انكفاءً وحتى هزيمة أميركية، إلى درجة مثيرة للعجب حين يباركون التعاون الأميركي الإيراني، أو يهلّلون للاصطفاف في جبهة واحدة في المعركة الدولية المزعومة ضد “الإرهاب”.
ولا نجد أثراً لهذه “الهزيمة الأميركية الغربية” حيث تشظّت الكيانات العربية وأصبحت نهباً لحركات التفتيت الطائفي والمذهبي ولثقافة الظلامية. ولا نجد هوية عربية ولا مرجعية دولية مهتمة أصلاً بالتضامن مع الحقوق العربية. ولا نجد في المنطقة كلها قوى قادرة على تأسيس “شرق أوسط” بهوية مناقضة للمصالح الغربية. فلا يعدو الدور الإيراني الفاعل والمهم حدود استخلاص مواقع نفوذ في الجسم العربي ومن الحصة العربية لا الغربية. طريق التدمير الذاتي الذي اختارته سوريا واختاره العرب في سوريا وما زالوا من خلاله يصرّون على الاستقواء بأميركا أو بغيرها لتحقيق نفوذ سياسي وما ينطوي عليه من “كيد وانتقام”، هو الصورة الفعلية لا الرغبات والتمنيات الأخرى. نحن العرب دولاً وشعوباً في وضع بائس الآن لا تفيد معه أية محاولات للتجميل، ولبعض التلوينات الإيديولوجية. ولا يمكن لأي طرف ينخرط في هذه “المعمعة” أو هذا “العراك” أن يساهم في تغيير المعادلات والتوازنات إلا إذا توافرت له وفيه مقوّمات تضعه خارج “لعبة الأمم” أو خارج “قواعد اللعبة” التي ترسمها القوى الكبرى الدولية والإقليمية.
إذا كان المقصود من أي فعل سياسي إضافة كمية في مصلحة هذه الجهة أو تلك، فهذا أمر حاصل لا شك فيه. أما إذا كان الهدف أو الرغبة في بناء خيار عربي توحيدي استقلالي تنموي تطويري لمصلحة شعوب المنطقة، فالأمر الحاصل هو خارج هذا السياق تماماً.
هذه فوضى كيانية عربية من بعض مظاهرها الحروب المذهبية، ومن بعض مخاطرها تفكيك الكيانات الوطنية، ومن بعض تداعياتها تنحية التحدي الإسرائيلي عن جدول أعمال العرب، وتشويه وتخريب مشروع التغيير الديموقراطي واحتواؤه في دائرة “الرجعيات العربية” قديمها الرسمي وقواها “الشعبوية المستحدثة”، تحت عناوين الإسلام السياسي بمنوّعاته وفروعه المتعددة.
قد لا تكون هذه القراءة “مطابقة للواقع” أو غير شاملة لتعقيداته، أو قاصرة عن الإحاطة بكل معطياته، لكنها على الأقل تظهّر المشكلات التي يغفلها “الخطاب التأويلي” أو “التحويلي” لهذه المشكلات. فهل نفتح حواراً في أوضاع وقائعها الدم المهدور في الشوارع والتهجير الذي يجرف ملايين البشر والتدمير الذي يستهدف كل العمران المدني والبشري؟
“السفير”