الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا: سراب المندوب الأممي
إبراهيم-الفقيه

ليبيا: سراب المندوب الأممي

بقلم: د. أحمد إبراهيم الفقيه *

لا يمكن اكتناه أو تفسير الطريقة التي يعمل بها برناردينو ليون، رئيس المكتب الأممي في ليبيا والممثل الشخصي للأمين العام بها، الموكول إليه إيجاد حلول للأزمة الليبية.
فقد أنتج مسودة رابعة لفعاليات الحوار ومساراته، الذي يدور بين الليبيين المتنازعين على السلطة والشرعية، وأعقب إعداده لهذه المسودة، حملة دعائية واسعة، تبشر باجتراحها الحل النهائي للأزمة، وتقديمها باعتبارها وثيقة الخلاص والإنقاذ، والصيغة المثلى لتحقيق أقصى درجات التوافق الوطني، وعندما طرح ليون مسودته، فيما سمي الجلسة الختامية والنهائية من جلسات الحوار في الصخيرات، انفجرت في وجوه الجميع كأنها قنبلة، وألقت منذ الدقائق الأولى بالوفد الذي يمثل البرلمان الليبي خارج القاعة، وطوحت به مسافة ثلاثة آلاف ميل من الصخيرات إلى طبرق، هاربا من المواد المتفجرة الحارقة المارقة التي احتوتها تلك الوثيقة، المسماة المسودة الرابعة، والتي استقطبت سخط واحتجاج واعتراض فئات كثيرة من الشعب الليبي، وبل وقطاعات كثيرة إقليمية ودولية تتعاطف مع القضية الليبية، وتقف خلف الحراك الشرعي والقانوني، المتمثل في مجلس النواب، والحكومة المنبثقة عنه، والمؤسسة العسكرية الرسمية التابعة له، وترى أن المندوب الدولي، لم يكن نزيها ولا أمينا في أداء مهمته، وأنه يعتمد خلط الأوراق واللعب بالتوازنات المحلية، لصالح أجندة غامضة، ليست لصالح الشعب الليبي ولا تؤدي لإنجاز السلام وإنهاء الاحتراب، وتصفية عوامل التوتر والاحتقان.
المفارقة الفاضحة الصارخة هنا، أن هذا الأسلوب في التعامل مع القضية الليبية، يظهر المندوب الأممي وكأنه يعمل عامدا متعمدا لإفساد مهمته، وإفشال الرسالة المنوطة بالبعثة الأممية، مما يترك إشارات استفهام معلقة فوق رؤوس جميع الأطراف المتورطة في المشهد الليبي.
والظاهرة التي تكررت مع هذه المسارات التفاوضية، ظاهرة يعرفها أهل المجتمعات الصحراوية، وتعرفها قوافل السفر عبر البون الصحراوي الشاسع الذي يميز خارطة ليبيا، وهي ظاهرة السراب، فكلما اقترب السائر في الصحراء الذي يحرق حلقه العطش، من المجرى المائي الذي يراه يتدفق عبر الأفق، يجد أن هذا المجرى المائي ليس إلا سرابا خادعا، فهو مجرى مائي مصنوع من الوهم والخيال المترتب عن أبخرة الشمس، وتأثير أشعتها على البصر، وصرنا كلما انطلقت زغاريد الفرح من أمام قاعات المفاوضات في جنيف، ثم في غدامس، وأخيرا في الصخيرات، احتفاء باقتراب ظهور الحل، جاء صوت النذير يقول بفشل الوصول إلى هذا الحل المأمول، وأنه وجبت العودة إلى المربع صفر الذي بدأت منه المفاوضات.
يشكو أهل الحراك الشرعي الليبي، من أن برناردينو ليون، فاجأهم في مسودته الرابعة، بخلق مجلس، جعل الأغلبية فيه للجسد الميت المسمى المؤتمر الوطني العام، وجعل الأقلية لمجلس النواب، وبدلا من أن يجعله مجلسا استشاريا، أحال إليه من الصلاحيات ما يبطل الصلاحيات الممنوحة لمجلس النواب، ويحيل هذا المجلس الذي يمثل الشرعية، ويحمل تفويضا من مواطني ليبيا جميعا، إلى هيكل كرتوني بلا فعالية. ثم وضع هذه المسودة أمام المتفاوضين في اللحظة الأخيرة، التي تسبق الذهاب إلى برلين، لنيل المصادقة الدولية على الاتفاق، ورأوه أسلوبا بعيدا عن النزاهة لإظهار البرلمان الليبي، بمظهر الطرف الذي يعرقل الوصول إلى التسوية، بينما يرى في نفسه أنه قدم من التنازلات، ما يجب أن يكون موضع تقدير المندوب وامتنانه الدائم، لأنها تنازلات تصب في إنجاح مهمته، التي يأتي هو ليكون أول المتسببين في إفشالها.
فهل نلوم، بعد ذلك، أصحاب نظرية المؤامرة، عندما يقولون إن القوى الفاعلة في المشهد الدولي، وفي مقدمتها أميركا والاتحاد الأوروبي، تجعل من مهمة المندوب الأممي، مشجبا تعلق عليه تقاعسها في تحريك القضية الليبية، بل وتجميد هذه القضية لخدمة أغراض استخبارية تتصل بمعاملاتها المتشعبة مع الإسلام السياسي بمختلف توجهاته وأطيافه، بدليل أنها ترى الدواعش في ليبيا يتمددون وينتشرون ويرتكبون المجازر، ويشكلون جزءا من مافيا الهجرة غير الشرعية ويحتلون مدنا كبيرة، من بينها العاصمة السابقة للبلاد سرت، بما يتوفر فيها من مطار دولي، وميناء دولي وعتاد عسكري، وما يجاورها من مناطق عامرة بحقول النفط، ولا تحرك ساكنا، وترفض إدخال ليبيا في إطار التحالف الذي يحارب الدواعش وأهل التطرف في المشرق العربي واليمن وغيرها، وصولا إلى العمق الأفريقي في نيجيريا ومالي، ثم تجعل ليبيا الاستثناء من هذه الحرب، بحجة أن هناك مبعوثا أمميا يقود مسارات التفاوض لإحلال السلام في البلاد، وتترك جيشا رسميا يتبع الحراك الشعبي يخوض حربا ضروسا ضد الإرهاب، محروما من السلاح، وتساوي في المعاملة بينه وبين تنظيمات القاعدة وداعش.
أليس في هذا الموقف الأوروبي والأميركي المشبوه من قضية ليبيا، واستخدام المندوب الأممي، شبكة من دخان للتغطية على هذا الموقف، ما يقدم مصداقية لنظرية المؤامرة، التي يتجرع غصصها، ويجني حصادها الدموي الشعب الليبي، أعانه الله.

*كاتب ليبي/”العرب”