الرئيسية / وجهات نظر / أحكام الإعدام الجماعية.. وتصادم الحضارات
333fcc27030981822b76e27423308fd2

أحكام الإعدام الجماعية.. وتصادم الحضارات

بعد أحكام الإعدام ضد 528 مصريا، يجب أن نشعر بالتعاطف مع وزير الخارجية وجهازه الدبلوماسى الذى يحاول الدفاع عن سمعة مصر أو وزير السياحة الذى بذل جهوده فى تشجيع السائحين على العودة والاسهام فى الاقتصاد المصري.
دهشة العالم فى مواجهة هذا العدد ليس بدافع التآمر كما يروج لذلك بعض برامج التوك شو، ولكنه جزء من اهتمام العالم بمصر، سواء بدافع احترام العراقة التاريخية لهذا البلد، أو مكانة مصر الجيوستراتيجية فى منطقة الشرق الأوسط المتأزمة، أو بسبب رمزية «ميدان التحرير» فى صحوة الشعوب اقليميا وعالميا فى جميع الأحوال فإن هذا الاهتمام العالمى هو رصيد ضخم لا يجب أن نبدده.
فى هذا السياق فإن أكثر الأسئلة ترددا من هذا الخارج هو عن مسار الانتخابات الرئاسية القادمة ومحاولة التعرف أكثر على المرشحين، ولكن بالنسبة للعامة يسبق هذا السؤال سؤال آخر وهو الحكم القضائى باعدام 528 من المتورطين فى أعمال إرهابية.
الدهشة والغرابة التى تعلو وجوه هؤلاء المتسائلين من الخارج ليس من قوة أسانيد هذا الحكم أم ضعفها، ولكن هذا العدد الضخم من المعرضين للموت فى الوقت الذى ألغت فيه بعض البلاد حكم الإعدام نفسه، والكثير من البلاد الأخرى يطبق هذه الأحكام فى ظروف استثنائية للغاية، بالطبع لم أقل لهؤلاء المتسائلين من الخارج إن أحد مقدمى برامج التوك شو أعلن فى تعقيبه على الحكم «وايه يعني» ولو حتى التضحية بعشرة أو عشرين ألفا من أجل إنقاذ مصرَ! فى هذا السياق ذكرنى أحد الزملاء بمقولة عالم السياسة الأشهر صمويل هنتنجتون عن تصادم الحضارات.
كان هنتنجتون ـ أستاذ علم السياسة بجامعة هارفارد والذى توفى منذ نحو ونصف العام ـ مولعا بإثارة ما يسمى «الأسئلة الكبيرة» ذات المغزى فى تشكيل الدول والشعوب وحتى التاريخ العالمى نفسه، وبالرغم من أنه كان غاية الملل فى محاضراته إلا أن كتاباته كانت ـ على العكس تماما ـ مؤثرة وحتى لامعة ومعظم من درسوا علم السياسة فى السبعينيات يتذكرون كتابه عن «الاستقرار السياسى فى المجتمعات المتغيرة» الذى ظهر فى سنة 1968 والذى لا غنى عنه حتى الآن لأى دارس لعملية التنمية السياسية. وبالرغم من أن هنتنجتون كان من أعمدة الفكر المحافظ وبالطبع المعادين للشيوعية، إلا أنه فى هذا الكتاب دافع عن أى نظام يستطيع أن يحقق الاستقرار فى مرحلة التحول حتى ولو كان الحزب الشيوعي.
فى بداية التسعينيات عاد هنتنجتون ليثير أحد الموضوعات الكبيرة التى تشكل التاريخ المعاصر ألا وهو: مامستقبل العالم مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الكتلة الشيوعية في1989؟ هل فعلا انتهت الحروب والأزمات ونبدأ إذن مستقبلا مشرقا كما تقول مثلا نظرية نهاية التاريخ وصاحبها فوكوياما؟ كان رأى هنتنجتون هو العكس تماما، وكانت نظريته هو أن التوتر سيستمر ولأسباب ثقافية، أى تصادم الحضارات.
بدأ هنتنجتون فى ترديد مقولته على مراحل وبتساؤل فور تحطيم حائط برلين فى نوفمبر سنة 1989، والذى كان يرمز إلى تقسيم العالم بين كتلتى الحرب الباردة، كان هنتنجتون «يجس النبض» بين طلابه وبعض زملائه، ثم ظهر إلى العلن بمقولته فى «الأمريكان انترابيز انستيتيوت» أحد معاقل الفكر المحافظ فى الولايات المتحدة، ثم قام بنشر هذه المحاضرة كورقة علمية لمركز أولين للدراسات الاستراتيجية بجامعة هارفارد والذى كان يديره، ثم جاءت المرحلة قبل الأخيرة عند نشر هذا البحث كمقالة فى سنة 1993 فى مجلة الشئون الخارجية ـ (فورين آفرز) ـ الذائعة الصيت، ولكن كان هنتنجتون حريصا حتى فى هذه المرحلة على إضافة علامة استفهام لكى يوحى بان مقولته لاتزال مجرد تساؤل، ولكن عند نشر كتابه بالعنوان نفسه فى سنة 1996، اختفى التساؤل ليؤكد هنتنجتون بكل قوة وجسارة أنه يقدم نظرية لشرح النظام العالمى فيما بعد الحرب الباردة.
اثارت نظرية هنتنجتون الغزير من المناقشات بحيث تعتبر مقالته من أكثر المقالات اقتباسا وتأثيرا فى العشرين عاما الماضية، هناك نقد لاذع لها، سواء فيما يتعلق بالنواحى النظرية والمنهجية، مثل تعريف هنتنجتون لظاهرة الحضارة، أو طريقته الانتقائية فى قراءة التاريخ، فقد تجاهل هنتنجتون مثلا أن أطول حرب بعد الحرب العالمية الثانية كانت بين دولتين إسلاميتين العراق وإيران 1980 ـ 1988، كما أن الكثير من الصراع هو داخل المجتمع الواحد، مسيحيا، يهوديا أو إسلاميا ـ كما هو الحال مثلا بين اليهود الأرذوكس واليهود العلمانيين داخل إسرائيل.
ومع ذلك تستمر مقولة هنتنجتون فى تشكيل كيفية النظر للأمور، كما هو الحال الآن بعد أحكام الإعدام الجماعية.
“الاهرام”