الرئيسية / وجهات نظر / الملك والفيزازي ولعنيكري
ff5e2e2294527ee7a55e1189ac815279

الملك والفيزازي ولعنيكري

لا أعرف بماذا أحس الجنرال المتقاعد، حميدو لعنيكري، وهو يرى محمد الفيزازي، الذي كان محكوما بـ30 سنة سجنا بتهم إرهابية ثقيلة، يصلي بأمير المؤمنين الجمعة، ويخطب من فوق المنبر والملك وحاشية الحكم يستمعون إلى مواعظه من تحت
 بلا شك سترجع الذاكرة بالجنرال إلى الوراء، وسيتذكر تفاصيل تلك الخطة الأمنية والاستخباراتية التي وضعها بعد أحداث 11 شتنبر، والتي زاد من قوتها في أعقاب أحداث 16 ماي، وكيف أنه رأى أن الحل المستعجل والناجع هو «جمع الحب والتبن في السجن»، ثم أخذ الوقت للتفريق بين المذنب والبريء، بين المتهم ظلما والمشتبه به حقيقة، مادام الخطر موجودا، وأمريكا تتعامل مع العالم بمنطق من معنا ومن ضدنا في الحرب على الإرهاب، فلا بأس أن تحال حقوق الإنسان على التقاعد المؤقت، وأن تتحرك آلة الأحكام بدون شروطها العادلة…
وكذلك كان، جمع الجنرال وأجهزة الأمن التي كانت تحت يده أكثر من ثمانية آلاف سلفي وشبه سلفي ومتدين وقريب من التدين وصاحب اللحية الكثيفة والأمرد، جمع كل هؤلاء في قفة واحدة، ورماهم وراء القضبان حتى دون ملفات.. لا تهم الملفات والأدلة والحجج والشهود، وزارة العدل، في زمن الراحل محمد بوزوبع، كانت في الخدمة، وكانت مستعدة لأن تغمض أعينها عن المساطر والقواعد والضوابط والأعراف وحتى الضمير، تحت مبرر الدولة تتعرض للإرهاب، ولا يرهب الإرهاب إلا الإرهاب.
لقد وجد هذا المنطق البوليسي له منظرين من الطبقة السياسية والإعلامية.. منظرون كانوا مستعدين لأن يغمضوا عيونهم عن انتهاكات حقوق الإنسان وعن المحاكمات الصورية وعن الأحكام العشوائية لأن الإرهاب خطر كبير، وهنا اخترعت تهمة غير موجودة في القانون اسمها: «المسؤولية المعنوية عن الإرهاب»، وبهذه التهمة الواسعة والفضفاضة كان حزب العدالة والتنمية قاب قوسين من الحل!
يوم الجمعة الماضي استمعت إلى محمد الفيزازي وهو يخطب في مسجد بلال بطنجة في حضرة الملك، وقد أعجبت بقرار هذا الأخير الصلاة خلف سلفي كان محكوما بـ30 سنة سجنا، أمضى منها ثماني سنوات وراء القضبان، وقلت في نفسي: لعلها إشارة سياسية إلى بداية مراجعة الدولة لنفسها إزاء المشكلة السلفية القائمة اليوم، حيث مازال يقبع حوالي 600 سجين، فيهم من اعتقل لأن يده ملوثة بالدم (وهذا لا حديث معه)، وفيهم من اعتقل لأن فكره متطرف، وفيهم من اعتقل لأن لحيته طويلة، وفيهم من اعتقل لأن المخابرات والشرطة لم يقوما بعملهما، ولم يجمعا عنه ما يكفي من معلومات صحيحة، دعك من القضاء فهو لا يبحث ولا يدقق في الجرائم ووسائل ارتكابها وأركانها وحججها وأساليب التحقيق فيها.. في محكمة الإرهاب وأمام قانون الإرهاب هذه الأمور شكليات لا لزوم لها. القضاء هنا يتصرف مثل الخباز في هذه القضايا، يوصل الخبز إلى الفرن، ولا يتدخل في شكله أو في طعمه، المهم أن يدفع به إلى النار.
مؤسف أن الدولة، التي أطلقت مسلسل هيئة الإنصاف والمصالحة وطي صفحة الماضي وتعزيز دولة حقوق الإنسان، سقطت هذه السقطة الكبيرة في التعامل مع مشكلة الإرهاب، والأدهى من ذلك أنها سقطت ولم تعرف كيف تنهض، وحتى عندما صرح الملك محمد السادس، في استجواب «إلباييس» الشهير، بوقوع تجاوزات في ملف المحاكمات التي أعقبت أحداث 16 ماي، فإن شيئا لم يتغير، واستمرت الآلة تطحن بلا رحمة ولا شفقة.
نعم، الأحداث الإرهابية التي ضربت البيضاء ومراكش ومدنا أخرى كانت صادمة ومروعة للمواطن وللدولة، لكن هذا لا يبرر إعلانا ضمنيا لحالة استثناء، وتعليق الحكم بالقانون، وتجريد المتهمين من حقوقهم، ووضع مدونة سياسية للمحاكمات أمام القضاة عوض المدونة الجنائية ومسار المحاكمة العادلة…
كان الصحافي الكبير عبد الجبار السحيمي، رحمه الله، يقول عن بلاده: «نحن في المغرب نسكن بيتا ديمقراطيا لكن لا ضمانات عند المغاربة من أن يجري طردهم منه في أية لحظة، وحتى دون إشعار».
مشكل البلاد في عدم وجود ضمانات قوية وثابتة تمنع الرجوع إلى الوراء، وتقي الإنسان المغربي سطوة الأجهزة الأمنية والعقل السلطوي الذي يسكن داخل جهاز الدولة.. هذا العقل ينام حينا ويستيقظ حيناً آخر…
“أخبار اليوم” المغربية