الرئيسية / وجهات نظر / النخب السياسية ورهانات الحراك بالمنطقة
د.إدريس لكريني

النخب السياسية ورهانات الحراك بالمنطقة

بقلم: د.إدريس لكريني*

ينطوي تناول موضوع النخب السياسية بالتحليل والدراسة على أهمية كبرى، بالنظر لكونه يسمح بفهم طبيعة السلطة وموازين القوة داخل المجتمعات.
لا يخلو تعريف النخبة من صعوبات وتعقيدات بالنظر لتعدد المفاهيم والمواقف المتضاربة بشأنها.
وعموماً يحيل المصطلح إلى تلك الأقلية من الأفراد التي تحظى بخصائص ذاتية وإمكانات موضوعية، وتتموقع في مراكز سياسية واجتماعية واقتصادية عليا داخل المجتمع، تسمح لها بصناعة القرارات في مختلف المجالات أو التأثير في صياغتها.
يعود الفضل إلى المفكرين الإيطاليين «موسكا» و«باريتو» في ذيوع وانتشار استخدام المفهوم، من خلال إسهاماتهما الفكرية في بداية القرن العشرين، وقد أكدا معاً أن المجتمعات تنقسم عادة إلى طبقتين أو جماعتين، الأولى حاكمة؛ والثانية محكومة، وإذا كان «موسكا» قد فضل استعمال مصطلح الطبقة السياسية ليعبر به عن الفئة الأولى، فإن «باريتو» فضل مصطلح الطبقة الحاكمة للتعبير عنها.
ويعتبر «بوتومور» النخبة السياسية هي تلك المجموعة التي تضم أفراداً يمارسون السلطة السياسية داخل المجتمع خلال مدة زمنية محددة، ويندرج ضمن هذا السياق كل من أعضاء الحكومة والموظفين الإداريين السامين والقادة العسكريين والمستثمرين الاقتصاديين الكبار وبعض العائلات النافذة سياسياً.. تحتل النخب السياسية مكانة متميزة داخل المجتمعات باعتبارها القاطرة التي يفترض أن تقود حركة التطور والتنمية والتغيير، غير أن نجاح هذا الدور الحيوي يظل مرتبطاً بمدى قوتها ومصداقيتها وتجدّدها، ولا تخفى تأثيرات طبيعة الفضاء السياسي الذي تشتغل فيه النخب في هذا الصدد، فكلما كان هذا الفضاء ديمقراطياً ومنفتحاً، إلا وبرزت حركية وحيوية هذا التجدد باستمرار، وتمكنت معه النخب من أداء مهامها ووظائفها المفترضة في جو سليم، وكلما كان النظام السياسي مغلقاً وشمولياً وسادت الممارسات الاستبدادية إلا وضعف وانحرف أداؤها.
إذا كانت النخب السياسية قد أسهمت بشكل ملموس في ترسيخ قيم المواطنة والممارسة الديمقراطية، وفي تطور عدد من الدول في أوروبا الشرقية وآسيا وأمريكا اللاتينية خلال العقود الأخيرة، فإن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها الكثير من الدول العربية، تعكس في جزء أساسي منها الحالة المتردية التي تعيشها هذه النخب والتي جعلتها عاجزة عن قيادة أي تغيير أو إصلاح.
إن الحديث عن النخب السياسية في الأقطار العربية يقودنا إلى ضرورة التمييز بين نخب فاعلة تحكم وتملك سلطة اتخاذ القرارات وتستأثر بالمراكز الحيوية داخل الدولة، وتوظف الدين والإعلام وبعض الأحزاب وجزءاً من فعاليات المجتمع المدني لمصلحتها وتضع شروطاً تعجيزية للالتحاق بصفوفها، ونخب أخرى لا تحظى بقوة أو سلطة فعلية، توجد خارج مراكز اتخاذ القرارات، ولا تملك سوى مواقفها، حيث ظلت تشتغل تحت رحمة النخب الحاكمة التي بسطت واقعاً سياسياً تحكمياً وهامشاً ضيقاً للتحرك، مما حدّ من تحركها وأدوارها.
تحت وطأة هذه العوامل، ظلت الكثير من النخب السياسية في المنطقة غائبة أو مغيبة عن واقعها، ولم تنجح في بلورة تصورات ومداخل لتجاوز الإكراهات القائمة، ما أسهم في فتح باب التهافت على المنطقة في شكل مشاريع «إصلاحية» خارجية.. لقد رفعت مختلف النخب العربية في مرحلة ما بعد الاستعمار شعارات تتعلق بتحديث وتطوير المؤسسات السياسية وإدخال الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، فيما تمكنت العديد من النخب العسكرية العربية من الانتقال إلى الحكم عبر الانقلابات باسم هذه الشعارات، غير أن الممارسة الميدانية أبانت بشكل واضح محدودية الجهود لبناء دول قوية وتحقيق تنمية شاملة وإقامة نظم ديمقراطية.
فبمجرد سيطرتها على مؤسسات الدولة، قامت غالبية النخب الحاكمة بصد أي محاولات إصلاحية تقودها النخب المعارضة، وفرضت طوقاً أمنياً صارماً على شعوبها، وأضعفت مؤسسات المجتمع المدني، وعطلت العمل بالمؤسسات في كثير من الأحيان. ومن منطلق اقتناعها بدور الإعلام و«الثقافة» في تكريس هيمنتها والترويج لأفكارها، حرصت هذه الأنظمة على تجنيد وسائل الاتصال للترويج «لمنجزاتها»، واستمالة عدد من النخب و«المثقفين» إلى صفها بالتهديد والوعيد تارة والإغراء تارة أخرى، الأمر الذي أدّى إلى نشر «ثقافة» سياسية منحرفة تكرس الاستبداد والتعتيم، وأسهم في تأزيم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وأثر بالسلب في أداء النخب السياسية الموازية الأخرى وضيق من هامش تحركها وحال دون بلورة أدوارها المفترضة.
مع اندلاع الحراك في عدد من دول المنطقة في عام 2011، بدا حضور النخب خافتاً، فهذا الحراك الذي كانت سمته التلقائية، لم يكن في مجمله من صنع النخب، بل انطلق رغم تحفّظ وتمنع عدد من الأحزاب والهيئات والنّخب، بصورة تكشف حجم الهوة التي تفصل هذه الفعاليات عن المجتمع واهتزاز الثقة فيها.
ومع تطور الحراك وإفرازاته المتسارعة، حاولت الكثير من النخب اللحاق به متأخرة، فيما تعرض بعضها للتشهير والتضييق والاعتداء أيضاً في بعض الدول العربية، بفعل مواقف هذه النخب من أنظمة الحكم أو انخراطها في نقاشات فكرية وفلسفية إزاء عدد من القضايا، كما هو الشأن بالنسبة لمسألة الحريات وعلاقة الدين والدولة، فيما أطلقت بعض الجماعات المتشددة فتاوى ضد هذه النخب، لم تخل بدورها من تأثيرات في مستوى كبح أداء النخب وصدّ انخراطها في النقاشات العمومية بصدد مختلف القضايا الحيوية داخل المجتمع.
تشير التجارب إلى أن الثورات الإنسانية الكبرى في فرنسا، وأمريكا وروسيا كان لها مفكروها وفلاسفتها الذين مهدوا لها ورسموا معالم طريقها، بما أسهم بشكل كبير في إنضاج وإنجاح هذه الثورات.
لقد شكل الحراك محكاً وامتحاناً للنخب ولمصداقيتها في المنطقة، حيث أبرزت الأحداث عدم جاهزية هذه النخب، بل وقف الكثير منها موقفاً سلبياً، بوصفها تارة بالمؤامرة والتخويف والتشكيك في نجاعتها تارة أخرى..
ومع ذلك فقد شكل الحراك فرصة لبروز نخب جديدة ظلت مغيبة، ولفتح نقاشات جديدة على قدر كبير من الأهمية.
إن المسار المرتبك للحراك يسائل النخب السياسية باتجاه بلورة توافقات وقرارات تدعم تدبير الاختلاف والخروج من المأزق الراهن الذي يفتح المنطقة أمام متاهات خطرة.

*باحث أكاديمي من المغرب/”الخليج”