الرئيسية / وجهات نظر / المحليات الفرنسية وظاهرة التطرف
7becad0513fa168344c9f1efebd84e3f

المحليات الفرنسية وظاهرة التطرف

لا يقف تأثير الانتخابات المحلية الفرنسية عند دائرة الضوء التي جذبت ثلاثة تيارات إلى حلبة المنافسة، اليمين المعتدل واليسار واليمين المتطرف، بل يتجاوزها نحو إرهاصات المخاوف الناشئة حيال تمدد الفكر العنصري الذي نبتت له أنياب داخل المشهد السياسي.
وما يخشاه المهاجرون والمغتربون الذين يقيمون في ديار موليير، بات قاسماً مشتركاً لدى فئات واسعة من الرأي العام الفرنسي الذي يرفض التطرف، مهما كان شكله ومصدره وخلفياته. وينبذ أي نزعة تخدش قيم الجمهورية.
التطرف ليس حكراً على دين أو مذهب أو مجتمع، إنه نتاج اختناق، يلوذ فيه بعضهم إلى الاحتماء بالأنانية الروحية أو العرقية أو الاجتماعية. وكما في صراع الطبقات يوم كانت توزع المجتمع إلى نبلاء وعبيد تدرج المفهوم الخاطئ في اتجاه منح رداء الأخيار والأشرار على مقاس التعصب وإلغاء حق الآخر في أن يكون له الوجود الذي يستحقه، وضمنه الحق في الحياة الذي أصبح التلاعب يهدره رهن أفكار متطرفة ومعادية ومناوئة. وما تعرفه مجتمعات غربية بهذا الصدد دليل قاطع على أن التطرف يوجد حيث يتوارى العقل ويكون الاندفاع وراء الغرائز غير المهذبة. ولا تميل المجتمعات إلى التطرف عادة إلا حين تنسد أمامها الآفاق، أو لا يريد بعضها، كما في حال المجتمع الإسرائيلي لتلك الآفاق أن يظللها السلم والأمن والتعايش وتحقيق الجلاء عن الأراضي المحتلة.
هل المشكل قائم في الأسلوب أم في طرائق إعداد الرأي العام المحلي والدولي لتقبل هكذا منعطفات؟ الأكيد أن التجارب الديموقراطية في العالم العربي تحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد والمرامي، كي تصبح المحطات الانتخابية في مثل سلاسة الأحداث الطبيعية، أياً كانت نتائجها. فالإيمان بالتعددية يحتمل دائماً أن يكون هناك طرف منتصر وآخر منهزم. ولا تعني النتائج التي يتقبلها الجميع بصدر رحب نهاية العالم، بل تؤشر إلى معاودة استكناه نقاط التعثر والإخفاق في الأداء الحزبي. ولولا هذه الميزة التي ترافق مسارات الأحزاب، وإن تباينت مشاربها، لما كان هناك تداول على السلطة.
مجرد الاتفاق على سقف محدد لمجالات الممارسات الحزبية، يحصن التجارب من الاستئثار بالرأي والحكم، والمعارضات يكون وجودها ضرورياً ومطلوباً، ليس فقط لأنها تشكل ما يعرف بحكومات الظل التي تنتظر إشارة الناخبين، ولكن لأنها تسيج نظام الحكم من أخطار الاستبداد. ولو أن أي حزب سياسي في البلدان العربية ارتضى أن ينتقل إلى واجهة الحكم كما ضفاف المعارضة وفق ميول الناخبين، لما احتاج الأمر إلى اللجوء إلى تزييف إرادة الناخبين وممارسة الاستبداد. لكن الأمر يظل رهن الإيمان بخيار التعددية الذي لا يتناقض وإمكان رفض الممارسات ذات المنطلقات الطائفية أو العرقية أو القبلية أو الفئوية.
كيف يمكن تقديم التطرف على أساس إبراز أخطار دون هدم البناء السياسي. المسألة تخص بالدرجة الأولى استمرارية الدولة. وما حدث ضمن تداعيات ما يعرف بالربيع العربي أن غياب الدولة أفسح في المجال أمام تباين الرؤى إزاء إقامة الدولة البديلة، بين من يريدها على نمط الخلافة ومن يبتغيها عصرية بمواصفات مدنية. فالأسلوب هنا يرتدي أهمية بالغة، لأن الدولة أيضاً هي الأسلوب. وما يمكن أن يتحقق بفرض سطوتها، يمكن أن يرجح مرجعية الاحتكام إلى القانون وسلطة القضاء. فيصبح الجميع ملزماً بتقبل أحكامه، من دون إغفال الحكم المرجعي الذي يفضي إلى نبذ التطرف والعنف والمغالاة.
“الحياة” اللندنية