الرئيسية / وجهات نظر / كيري بين الجزائر والمغرب
3868f8cb4a5d4eac9261eb404cd104d4

كيري بين الجزائر والمغرب

عندما يحل وزير الخارجية الأميركي جون كيري بالرباط والجزائر، سيجد أن لا شيء تغير في طبيعة العلاقات المتوترة بين الجارين، وأن وصفة الشراكة الإستراتيجية المبرمة بين واشنطن وعاصمتي الشمال الأفريقي نجحت في بناء علاقات متوازنة في إطار ثنائي، لكنها أخفقت في تجاوز الخلافات التي زادت اتساعاً. وفي ميدان حيوي ذي طبيعة إقليمية بقيت الأوضاع على حالها.
من منتصف سبعينيات القرن الماضي، تعايشت الإدارات الأميركية المتعاقبة مع واقع الحذر والنفور الذي يعتري العلاقات المغربية – الجزائرية. ولم يشكل الموقف عائقاً أمام سريان مفعول الاتفاقات ومجالات التعاون التي تربطها والشريك الأميركي. وفي ذروة الحرب الباردة اختارت الرباط الانفتاح على الاتحاد السوفياتي، عبر إبرام «صفقة القرن» التي تطاول تسويق الفوسفات إلى المارد الأحمر، من دون أن يخل ذلك بتحالفها السياسي والعسكري مع الولايات المتحدة الأميركية، بينما انبرت الجزائر لتسويق النفط والغاز إلى أميركا وحفظ تحالف من نوع آخر مع بلدان المعسكر الشرقي. غير أن مفهوم الشراكة الإستراتيجية تتداخل ضمن مكوناته انشغالاتٌ سياسية واقتصادية وأمنية أملتها تطورات نظام القطبية الأحادية الذي بدأ بالاهتزاز.
لا عقدة للأميركيين في هذا الصدد، ففي البحث عن مراكز النفوذ وموازين القوى تتوارى الهوامش، وضمنها أن خلافات المغرب والجزائر واقعة تحت السيطرة، على غرار ما يبدو أحياناً من أشكال التصعيد التي تقترب إلى حافة التدهور. وما يلفت في تداعيات النزاع الإقليمي، أنه يحد من خطوات التنسيق والإجراءات الميدانية في ملف الحرب على الإرهاب والتطرف، خصوصاً أن البلدين أبديا اهتماماً متباين المنطلقات إزاء التحديات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل جنوب الصحراء. ولم يفت الإدارة الأميركية والبلدان الغربية، سيما فرنسا، التدخل ميدانياً، تاركة لبلدان الجوار فعل ما يجب إزاء تثبيت الاستقرار والمصالحة الوطنية ومد جسور التعاون.
في ملف الصحراء، محور الخلاف، اهتدت واشنطن إلى صيغة بناءة تكمن في دعم جهود مجلس الأمن والأمم المتحدة، وأعلنت بكل وضوح أن مبادرة الرباط لناحية منح المحافظات الصحراوية حكماً ذاتياً موسعاً تتسم بالصدقية والجدية، من دون أن تغفل الدعوة إلى توسيع سجل البلاد في احترام حقوق الإنسان. ومعنى ذلك أنها تقول علنا إن الحل المطروح على طاولة المفاوضات لا بديل منه، وإن التعاون الكامل مع الأمم المتحدة أقصى ما يمكن أن تلوّح به في نطاق حل وفاقي يرضي الأطراف كافة، وترغب في غضون ذلك أن ترى الحدود المغلقة بين البلدين الجارين وقد عادت إلى طبيعتها لتأمين تدفق الأشخاص والبضائع بكل حرية.
لا المغاربة ولا الجزائريون يجهلون حقائق السياسة الأميركية، أين تصنع، وكيف تضع الأسبقيات، وبأي ميزان تقاس علاقات التحالف، ومن المستعبد أن تؤثر زيارة الوزير كيري في قلب المعادلات السائدة، فالمفهوم الأميركي للشراكة الإستراتيجية لا يحكمه تفضيل طرف على آخر، بل يراعي حدود التقاء المصالح المتبادلة. وحين تشرئب الأعناق الأميركية إلى منطقة الشمال الأفريقي، فالرؤية تشمل كل أقطاره، من جنوب موريتانيا إلى آخر نقطة في «السلوم» الليبية. ولديهم مجهر يختلف عن المنظور المحلي لبلدان هذا الفضاء الشاسع، حتى أنهم وضعوا مقاربة أكبر تربط بين شمال إفريقيا والشرق الأوسط كرقعة واحدة تتغاير مشاكلها وصعوباتها، لكنها في المنظور الاستراتيجي الكبير تشكل جزءاً واحداً.
برزت في الآونة الأخيرة تحديات جديدة تهم بالدرجة الأولى ما يتفاعل في عمق القارة الإفريقية من أحداث وصراعات، والأكيد أن الأميركيين كما الأوروبيون يرغبون لو تضطلع بلدان الشمال الأفريقي بدور أكبر في إخماد النيران الملتهبة. أقله لجهة حصر امتداد المشاكل على نطاق ضيق، فقد ثبت أن قوات التدخل الأفريقية «أفريكوم» بحاجة إلى وعاء سياسي يعزز فرص المصالحة وتثبيت أركان الأمن والسلم والاستقرار. غير أن اللافت في خلافات المغرب والجزائر أنها اتخذت من ورقة أفريقيا مظهراً للتنافر. ولا يبدو أن الأميركيين يجارون امتداد هذه الرقعة، بل يحبذون قيام تعاون أوثق بين البلدين الجارين، أقله في الحرب على الإرهاب والمغالاة ولتطرف وتكريس المزيد من الإصلاحات السياسية.
سيكون الهاجس الاقتصادي ضمن أهم المحاور التي يبحثها وزير الخارجية الأميركي جون كيري في زيارته إلى المنطقة، لكن هذا التحدي يتطلب تفاهمات جديدة. ولا ننسى أن واشنطن سبق لها قبل أن طرحت فكرة شراكة مغاربية – أميركية أوسع. وقتذاك، لم تكن الأوضاع في ليبيا تسمح بمثل هذا الانفتاح، أما وقد تغيرت الصورة، فإن الهاجس الاقتصادي يبدأ أولاً وأخيراً بالبحث في شروط استتباب الاستقرار، وهي تعول على أن يلعب المغرب والجزائر دوراً أكبر في هذا النطاق، لولا أن التمنيات تصطدم بجدار الخلافات المستحكمة.
“الحياة” اللندنية