الرئيسية / وجهات نظر / هل يعسر التوفيق بين التنمية والديمقراطية في تونس
مصطفى القلعي

هل يعسر التوفيق بين التنمية والديمقراطية في تونس

بقلم: مصطفى القلعي*

مازالت النخب الحاكمة التي تداولت على حكم تونس بعد 14 يناير 2011 تعاند في الإقرار بحتمية جدلية التنمية والديمقراطية باعتبارها جدلية لا مناص منها لتحقيق أهداف الثورة التونسية. التنمية والديمقراطية هما طرفا الجدلية ولا يمكن تحقيق إحداهما إلا بالتزامن مع الأخرى. وتجربة التونسيين مع زين العابدين بن علي لا تجعلهم يطمئنون إلى أي خيار يمن عليهم صاحبه ببعض مظاهر الديمقراطية، دون أن يقدّم لهم أي سبب من أسباب العيش والكرامة.
للتنمية بعدان مترابطان جدليا أيضا هما البعد الاجتماعي والبعد الاقتصادي، وهما اللذان فجّرا معا ثورة التونسيين على نظام بن علي. ولكن بعد أربع سنوات وثلث السنة على الثورة مازال التونسيون يراوحون مكانهم ولم يتقدموا شبرا في اتجاه تغيير واقعهم الاجتماعي والاقتصادي.
فالبطالة استفحلت وبلغت نسبة 17 بالمئة بما يعادل 700 ألف عاطل عن العمل تقريبا ثلثهم من أصحاب الشهائد العليا. وآليات التشغيل الهشة كالحضائر تأكل المالية العمومية ولا تنتج الثروة ولا تكفي لسد رمق العمال. والثروات الطبيعية معطل إنتاجها بسبب عجز الحكومة عن تهفيت الاحتجاجات الاجتماعية المندلعة فيها. والمشاريع الكبرى معطلة بسبب البيروقراطية الإدارية المقيتة. والأراضي الدولية مهملة ولم ترض الحكومة بتأجيرها للشباب أو للفلاحين الصغار.
كان التونسيون يعلقون آمالا كبيرة على جلسة التقييم والمساءلة التي أقيمت يوم 5 يونيو الماضي في مجلس نواب الشعب بين الحكومة والنواب. كان التونسيون ينتظرون خطابا مطمئنا يهدّئ من هلعهم ومن خوفهم على حاضرهم ومستقبلهم. دام خطاب رئيس الحكومة ساعة كاملة ضاع خلالها التونسيون في المجهول. فقد استمعوا إلى سرد إنشائي مليء بالتسويف، لا إلى برنامج حكومة منتخبة تتحمل مسؤولية حكمها وخياراتها.
10 دقائق كانت ستكون كافية للتونسيين حتى يسري فيهم الأمل ويقبلوا على العمل ويتصالحوا مع الصبر، 10 دقائق كان يجب أن تتضمن 5 قرارات كبرى هي؛ إعلان الحرب على التهريب أولا، والشروع في تحقيق العدالة الجبائية وتجريم التهرب الجبائي ثانيا، والترفيع في الأجر الأدنى بنسبة 40 بالمائة على الأقل ثالثا، وفتح حوار وطني واسع حول الإصلاحات الكبرى في التعليم والتشغيل والصحة والمالية والجباية والتنمية والثروات وغيرها رابعا، وتفعيل الميثاق الاجتماعي بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة خامسا.
ولكنّ بوصلة الحكومة والأحزاب المؤتلفة ضمنها موجهة نحو وجهة أخرى غير ما ينتظره الشعب التونسي. إنها نفس البوصلة التي وجهت نظام بن علي وحكومات ما بعد الثورة. وهي تتلخص في الخضوع للإملاءات الخارجية لاسيما صناديق التمويل الأجنبية التي تفرض إصلاحات بعينها، وترسم سياسات بعينها بقطع النظر عن آمال الشعوب وطموحاتها ومقدراتها وثرواتها وطاقاتها وإمكانيّاتها.
فحتى المشاريع التنموية التي أعلن عنها رئيس الحكومة أغلبها موروثة وتمويلاتها مرصودة وبعضها يعود إلى سنة 2009. ولكنّ الحكومات المتعاقبة عجزت عن تنفيذها في حين ترى حكومة الحبيب الصيد في نفسها القدرة على أن تفعل ما عجز عنه غيرها. والسؤال الذي لا يكفّ التونسيون عن طرحه دون أن يجدوا له إجابة هو؛ كيف تسمح الحكومة والأحزاب التي شكلتها لنفسها بأن تواصل نفس السياسة التي ثار من أجلها الشعب التونسي؟
هذا السؤال يعيدنا إلى عمق الجدلية التي وضعناها عنوانا لهذا المقال. فنفس السياسات ونفس الخيارات ونفس المناويل ونفس الخضوع للإملاءات الخارجية، ماذا بقي عن نظام بن علي؟ الديمقراطية فقط. ولكن هل هي مضمونة للشعب التونسي؟ هل هي نهائية؟ المتابع الذي يقرأ تجارب الشعوب ويتخذها مقياسا لتونس لا يمكنه أن يجزم بذلك. فالشعوب التي تنعم بالديمقراطية هي الشعوب المستقرّة اجتماعيا. والاستقرار الاجتماعي لا يكون مع الجوع والبطالة والانحراف والجريمة وإنما مع شرطه الازدهار الاقتصادي وتوفر العمل والخدمات وأسباب الترفيه والتعلق بالحياة.
إنّ أكبر مظهر من مظاهر الديمقراطية هو الانتخاب ترشحا واقتراعا. ولنتذكّر أنّ أكثر من نصف الشعب التونسي لم يدل بأصواته بسبب اللامبالاة الناتجة عن الفقر والتهميش الاقتصادي. ما علاقة هؤلاء بشعارات الديمقراطية، فهم لا يمارسونها أصلا فلا يعبرون عن آرائهم في الإعلام، ولا يمارسون حقهم في الانتخاب. وتبريرهم ألا شيء عندهم يخشون عليه وألا شيء يطمحون إليه.
فمسألة الديمقراطية شعار زائف في تونس بهذا المقياس، إذ حتى التعددية الحزبية لا معنى لها في ظل سيطرة اليمين الرجعي على الحكم، رغم ما يبدو من تداول أفرزته نتائج الانتخابات فلا يهم من هو الأول ومن هو الثاني إذا كانت الخيارات واحدة.
وليس هذا ما هفا إليه التونسيون يوم واجهوا رصاص النظام السابق بصدور عالية. لقد كانوا يريدون حقهم في وطنهم. ومنحوا ثقتهم لمن توهموا أنه سيعيد إليهم حقهم، فلم يجدوا إلا الخذلان إذ ترك المطالبون بحقهم خارج الإدارة والمناصب. هذا ما غرقت فيه الحكومة الجديدة. إنها ليست مشغولة بتفكيك المعادلات الصعبة للتنمية والديمقراطية، وإنما كرست نفسها لردّ الخدمة للنظام القديم وخذلان الشعب التونسي في مطالبه والخضوع للإملاءات الخارجية وتكرار نفس الخيارات الفاشلة.
ولذلك ملأ اليأس التونسيين ولم يجدوا إلا الاحتجاج سبيلا لهم. والحكومة لا يبدو أنها تقدر جيدا خطر هذه الاحتجاجات المهددة بالاختراق والتوظيف والاندساس داخلها من قبل المتربصين بأمن تونس واستقرارها. فلم تجد إلا المعالجة الأمنية اليائسة لمواجهتها. ولكنّ المعالجة الأمنية هل هي من الديمقراطية أم من التنمية أم من الاستبداد؟ الأحرى بهم أن يفكّروا وأن يعوا ألا خلاص لتونس إلا بالاحتكام إلى الجدلية المهدورة؛ جدلية التنمية والديمقراطية.

*كاتب وباحث سياسي من تونس/”العرب”