الرئيسية / وجهات نظر / طائر التويتر يهزم الديكتاتور
3d0223fe058256f9567f62217dd299ae

طائر التويتر يهزم الديكتاتور

كان قرار الحكومة التركية بإغلاق موقع التواصل الاجتماعي الشهير تويتر مفاجئاً للكثيرين في تركيا، على الرغم من تهديدات رئيس الورزاء رجب طيب أردوغان المتواصلة بحجب الموقع، ومواقع التواصل الاجتماعي عموماً. فـأردوغان الذي يستعد لخوض معركة الانتخابات المحلية الشرسة، هذه المرة، لا تنقصه المعارك الجانبية.
وهو المحاصر قُبيل الانتخابات بقضايا فساد هزت أركان حزبه، وأضرت بصورته داخلياً وخارجياً إلى جانب معركة كسر عظم يخوضها مع حليفه السابق فتح الله غولن. أردوغان الماهر في صناعة الأعداء واختلاق الأزمات، اتّجه هذه المرة لتعزيز حالة الاستقطاب متعدد المظاهر الذي تعيشه تركيا، وجمعها تحت استحقاق أولوية الدفاع عن الحرية في تركيا الحديثة، مختاراً العنوان الخطأ لتنتهي المعركة بعد أقل من أربعة وعشرين ساعة بهزيمة كبيرة للشاه على ساحات مواقع التواصل الاجتماعي. إذ جاء ردّ الشعب التركي على هذا القرار سريعاً، فقد ارتفع مجموع التغريدات اليومية على موقع تويتر من مليون وثمانمئة ألف تغريدة إلى أكثر من مليونين وخمسمئة ألف تغريدة رغم قرار الحجب. المغردون الأتراك ومستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي والناشطون، إضافة لمختلف أطياف الشعب التركي، اتجهوا في حالة تضامنية فريدة إلى تناقل طرق وآليات كسر الحظر من استخدام مواقع وسيطة إلى تغيير أرقام هويات اجهزة الحاسوب وانتهاء باستخدام برامج مخصصة لكسر الحظر، حتى أسوار المنازل السكنية والشوارع في المدن الكبرى، كتب عليها المعارضون للقرار آليات تجاوز منع الدخول لموقع تويتر.
أبرز الاعتراضات على هذا القرار وأسرعها كانت من رئيس الجمهورية عبد الله غول، وهو في المناسبة صاحب أكبر عدد متابعين على موقع تويتر في تركيا بخمسة ملايين متابع. غول اعتبر، في تغريدة له، أنّ حجب مواقع التواصل الاجتماعي ليس حلاً، متمنياً ألّا يدوم هذا الأمر طويلاً. وبهذا التصريح يكون رئيس الجمهورية قد اصطدم مع رئيس وزرائه للمرة الثانية خلال أسبوع، إذ قال في تصريح له أثناء زيارته إلى الدنمارك، إنه لا يؤمن بنظرية المؤامرة حول تركيا، وهناك من يسعى إلى تدميرها من الخارج، مضيفاً أن هذه التعبيرات تعود للأنظمة في دول العالم الثالث ولا تليق بتركيا. وأشار إلى إصرار رجب طيب أردوغان على الترويج لنظرية مؤامرة تواجه تركيا بعد الكشف عن قضايا الفساد التي تورّط بها مقربون منه.
يبدو أن غضب أردوغان لن يتوقف عند موقع تويتر كما تشير الأخبار الآتية من تركيا، فالقرار وبناء على طلب قضائي أيضاً قد يشمل موقع يوتيوب، الذي رفض الكشف عن رقم الخادم الخاص بالحسابات التي قامت بنشر المكالمات الهاتفية المسربة لرجب طيب أردوغان مع ابنه بلال، والتي تثبت تورط أردوغان في قضايا فساد كبيرة. وهي المرة الثانية التي قد يغلق فيها هذا الموقع، إذ كان قد حُجب سابقاً لمدة سنتين ونصف السنة بعد رفع فيديو، اعتُبر مسيئاً لمؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك.
أردوغان الذي تنبّه منذ بداية حكمه لأهمية الإعلام، بانياً خططاً محكمة للسيطرة عليه ـ انتهت بمحاكمة آلاف الصحافيين، يقبع منهم في السجن حتى الآن سبعة وخمسون صحافياً ـ تغضبه بالتأكيد جميع وسائل الإعلام الشعبي والإعلام البديل غير القابل للسيطرة. ابتدأت مشكلة الحكومة التركية مع مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واضح مع أحداث حديقة جيزي، إذ كان موقعا فيسبوك وتويتر من أبرز ساحات الاعتراض الشعبي والشبابي والتضامني مع المعتصمين في الحديقة الشهيرة. وإثر تلك الأحداث بدأت الحكومة التركية مباحثات مع هذه المواقع لفتح مكاتب تمثيلية لها في تركيا لتسهيل معالجة السلوكيات والمنشورات غير القانونية عليها، كما تدعي الحكومة. إلا أن إدارات مواقع التواصل الاجتماعي كافة رفضت الطلب الحكومي بفتح هذه المكاتب، طالبة من الحكومة اتباع الإجراءات المعتمدة في هذه المواقع للتبليغ عن أيّ مخالفات لسياسات استخدامها لتبدأ الحكومة التركية بالتلويح بإغلاق هذه المواقع من ذلك الوقت. قبل أن تظهر على الحدث السياسي التركي فضيحة الفساد المالي لوزراء في حكومة أردوغان وعدد من رموز حزبه لتتبعها بعد ذلك التسجيلات الهاتفية المسربة له، والتي ألقت الضوء على فساد مالي بأرقام كبيرة، يتورط فيه رئيس الوزراء الذي ظلّ يقدم نفسه دائماً على أنه ذو يد متوضئة وجبين أبيض.
حجب موقع تويتر والتلويح بإجراءات مماثلة بحق موقعي يوتيوب وفيسبوك، إضافة إلى القرارات الأخيرة التي ألحقت الهيئة العامة للقضاة بوزير العدل في تدخل سافر من الحكومة بالسلك القضائي، إلى جانب حالات قمع المعارضين والمتظاهرين السلميين، ألقت الضوء على تناقضات واضحة في مساعي الحكومة التركية في الانظمام إلى الاتحاد الأوروبي، بينما هي في واقع الأمر تقرّ تشريعات، وتصوغ قرارات تتعارض مع أبسط شروط الانضمام للاتحاد، خصوصاً في موضوع الحريات العامة واستقلالية القضاء. أزمة تركيا التاريخية تظهر هنا تماماً. تركيا التي لم تستطع حتى الآن تحديد هويتها وعمقها الاستراتيجي تركض لاهفة خلف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بشكل أظهر للكثير من المعارضين هذا الانضمام على أنه يهين كرامتها كدولة، خصوصاً مع رفض أبرز الدول الأوروبية هذا الانضمام. وفي الوقت نفسه تسعى لبناء قاعدة تحالفات لها في الشرق العربي والشرق الأوسط كانت نتيجته أن اصبحت تركيا أحد أبرز داعمي وممولي الجماعات المسلحة والارهابية في سوريا قلب المشرق العربي، وهي المتهم الرئيسي في مصر بدعم الجماعات المسلحة التي تهدد الدولة المصرية. تركيا الجريحة بعد انغلاق الابواب أمامها شرقاً وغرباً، وبعد انكسار حلفها القطري الحمساوي الاخواني، لم يعد لها في المنطقة (ولكل جماعات الاسلام السياسي) حليفاً محتملاً إلا إسرائيل.
ومن المفيد هنا مراقبة اكتشافات الغاز الإسرائيلية في البحر الأبيض المتوسط، والمفاوضات مع تركيا لنقلها عبر اراضيها إلى اوروبا.
أردوغان استغل حادثة حجب موقع تويتر وتداعيات القضية داخلياً وخارجياً في محاولة حشر رئيس الجمهورية عبد الله غول في الزاوية، بعد أن أبدى الأخير معارضته لإجراءات الحكومة وخطابها في الشأن المحلي في أكثر من مناسبة، إذ قال في كلمة له إن الذين ينشرون تسجيلات هاتفية مسربة لرئيس الوزراء ووزراء الحكومة سينشرون في القريب مكالمات مسربة لرئيس الجمهورية. رد عبد لله غول لم يتأخر، حين قال إنه من الممكن ان تُنشر تسجيلات مسربة له وإنه من الممكن أيضاً ان تكون مكالماته الهاتفية، مراقبة إلا أن ذلك لا يعني بحال من الأحوال تأييد إجراء حجب موقع تويتر أو أي من مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا.
“الأخبار” الاردنية