الرئيسية / وجهات نظر / مصادرة حق النقد في تونس
المهدي-مبروك.

مصادرة حق النقد في تونس

بقلم: المهدي مبروك*

هناك وصفات ناعمة للعودة إلى الدكتاتورية في مراحل الانتقال الديمقراطي، وكان بعضها منتجا وفعالاً. تختلف هذه الوصفات من سياق إلى آخر، ولكن كلها تأخذ بالاعتبار جملة من العوامل، منها طبيعة النخب وموقف مؤسسات الدولة، وأهمها المؤسسة الأمنية والعسكرية والمزاج العام وميزان القوى السياسية، من دون أن ننسى الظرف الدولي طبعاً. كانت وصفة الانقلاب الدموي على الانتقال الديمقراطي الذي عرفته مصر، على الرغم من عيوبه، إحدى الوصفات الناجحة، بقطع النظر عن تكلفتها الإنسانية والسياسية الباهظة. ولكن، حدث هذا أمام مرأى القوى الديمقراطية المصرية و”أحرار العالم”، وتشمت جزء كبير من النخب الحداثية فيما وقع لرئيس شرعي، وإحدى أبرز القوى السياسية في الوطن العربي، بل وطالب بعضهم “هل من مزيد”. هذا السيناريو تم التفكير في تنفيذه في تونس، ودراسة إخراجه الإعلامي والقانوني، ولربما حددت تكلفته المالية والأطراف المانحة.
هناك انتكاس ديمقراطي مفاجئ وصادم، عادة ما يتم دفعة واحدة، وهناك انتكاسات ناعمة وهادئة، تمرر على شاكلة الري قطرة قطرة، كحالة ما يسميه الأطباء “عضال الضفدعة” التي تستعذب أن تصلى على نار هادئة، وترفض مغادرة ما تعتبره دافئا ولذيذاً، ربما بدأ بعضهم تنفيذه حاليا في تونس.
الكل يعلم أن نتائج الحكومة التونسية، بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر، محتشمة، وأغلب مؤسسات سبر الآراء مجمعة، من خلال ما تنشره، دورياً، من نتائج استطلاعات، على أن مزاج الناس يتجه إلى الإحساس بالخيبة تجاه أدائها. تعمد لوبيات إعلامية وسياسية هي أذرع للحكومة، وحتى تمنع أن يتحول هذا الإحساس إلى مبادرات سياسية، قد تطيح الحكومة إلى عدم التفريق بين مختلف التعبيرات الاحتجاجية بشكل ممنهج، فلقد جاء على لسان أحد قياديي “نداء تونس” أن نقد الحكومة والسعي إلى إطاحتها هو اصطفاف وراء داعش، أما حملة “وينو البترول؟” التي تتساءل عن إنتاج البترول في تونس وأوجه التصرف فيه، فهي ليست مؤامرة خارجية تحاك ضد تونس فحسب، بل ضد الجزائر، في حين أن التنديد بالتعذيب الذي تنامى في الأشهر الأخيرة، حسب تقارير منظمات وطنية ودولية، تشجيع على الإرهاب وتعاطف مع الإرهابيين. أما التحركات الاحتجاجية التي يشهدها الحوض المنجمي، ومدن الجنوب على غرار الفوار وغيرها، فهي رعشة أخيرة لجرحى الانتخابات. و لربما من فعل جماعات تكفيرية، كما علقت وزارة الداخلية، في بيان لها عن أحداث مدينة دوز الجارية حاليا، وأخيراً، فإن المطالبة بتوسيع الحوار الوطني، ليشمل طيفاً كبيراً من المجتمع المدني الذي تم إقصاؤه إلى حد الآن هو تشويش على هذا الحوار.
ماذا تبقى لنا، حينئذ، من الديمقراطية والمشاركة المواطنية، وعلى الرغم من أنني مقتنع بأن بلادنا ليست بلداً نفطياً، وأن التهدئة الاجتماعية وترسيخ استقرار مؤسسات الدولة، بما فيها الحكومة، يعدان واجباً وطنياً، فإن انحدار خطاب بعضهم إلى مستوى التخوين وحشر الناس في دوائر داعش، بمجرد اختلافهم مع الحكومة والأحزاب المكونة لها، هو عين النفاق السياسي الذي علينا جميعا فضحه، باعتباره من بنية ثقافة سياسية، لا تليق بنخب تزعم أنها تقود انتقالا ديمقراطيا رائداً.
الصحافة، ومعها جزء كبير من الطبقة السياسية الحاكمة والمعارضة، وخصوصا البرلمانية، لم تر في هذا التخوين عيباً عليها أن تقطع معه، بل انخرطت بدورها في تأييد ذلك، بما فيها حركة النهضة. فقد وشحت صحف صفحاتها الأولى بعناوين تشير إلى هذا المعنى، وتلوّح إلى أطراف بعينها بأنها تقف وراء هذه المؤامرة، ويتزامن ذلك مع تسريب أحد قياديي “نداء تونس” وثيقة تنسب إلى الجبهة الشعبية (تحالف المعارضة اليسارية)، تكشف عن استعداد الجبهة للبدء في تحرك لإسقاط الحكومة، وتشكيل أخرى تكون حكومة إنقاذ بقيادتها ربما. لا ندري مدى صحة هذا الوثيقة. ولكن، يبدو أن ذلك لا ينفصل عن إثبات نظرية المؤامرة التي تستهدف الحكومة، كما يمكن أن يكون ذلك تلميعاً لصورة الجبهة، وهي التي بدأت تخذل تلك التحركات، لأسباب مازالت غامضة.
في هذا المناخ المتربص بمخالفي الحكومة ومناهضيها، سيبدو مجرد الهمس أو حتى مجرد النيات الناقدة، انخراطا في مساعي إسقاطها، غير أن عودة ثقافة التحرش بالمعارضين واستعداء أطراف خارجية عليها يعد أمراً غير مقبول. ولكن، بدأنا، على خلاف ذلك، نتحول من اتهام المعارضة بالولاء إلى الأجنبي، كما في عهد بن علي، إلى اتهام المعارضة بمعاداة دول أجنبية. التلويح، في مرات عديدة، أن حملة “وينو البترول”، مثلاً، يستهدف الجزائر، والاحتجاج بما كتبته صحيفة جزائرية أمر سخيف، فالحملة تونسية محضة، أما أن الجزائر لو جاز لها أن تنشغل لانشغلت مما أمضته مؤسسة الرئاسة من معاهدات مع الولايات المتحدة الأميركية، وخصوصا في المسائل ذات العلاقة بالدفاع.
مع انتهاء مدة مائة يوم من عمر الحكومة، وهو الموعد الذي ضربته الحكومة بنفسها لتقييم أدائها، وهي التي لم تستطع تلبية ما وعدت به فضلاً عن عجزها عجزاً مبيناً عن احتواء التحركات الاجتماعية، وخصوصا الإضرابات التي أصابت أمل الناس ومصدر افتخارهم، من خلال شل حركة الامتحانات الوطنية في مرحلة التعليم الابتدائي، يبدو أن نظرية المؤامرة لا تمثل طوق النجاة المتبقي لهذه الحكومة فحسب، بل مرهما ناعما للتخلص تدريجياً من وجع الرأس الذي أزعجها. وقد يكون ذلك مقدماتٍ لما هو أخطر.

* أستاذ جامعي/”العربي الجديد”