الرئيسية / وجهات نظر / شبح الخطر
caae2c0a6f202f7359198aaa7144e8f4

شبح الخطر

أصبح تنظيم الانتخابات القادمة في موعدها الدستوري محل شك، وبات تأجيلها الى العام القادم أمرا متوقعا ومنتظرا، وهو تشخيص أو توقع له مبرراته ومؤشراته، وهي متعددة وكثيرة، وليست مرتبطة بتصريح هذا الطرف أو تحريض الأطراف الاخرى.
حسابيا، لم يعد يفصلنا عن نهاية العام الحالي غير ثمانية أشهر، وليس هناك ما يؤكد أن القانون الانتخابي ، الذي لم يحدد موعد انطلاق جلسات مناقشته والمصادقة عليه، وبالتالي لا يمكن التكهن بموعد إصداره في ظل ما تشقه من خلافات عميقة يعسر التوافق حولها، باعتبار انه قانون لا يخضع للتفاهم السياسي بقدر ما يخضع للمنطق الحسابي والرياضي، إذ إنّ كل مجموعة لها حسابات الربح والخسارة في كامل المشروع وفي مختلف بنوده وهو ما يجعل هامش التنازلات بل المقايضة ضعيفا.
ولا شك آن كل يوم تأخير في المصادقة على القانون الانتخابي، الذي يُعدّ عماد العملية الانتخابية كلها، ستكون له تداعيات كبيرة على إنجازها في موعدها، وستحتم على الهيئة العليا المستقلة للانتخابات مسابقة الزمن ومضاعفة الجهود ، في وقت مازالت تحتاج فيه الى دعم لوجستي وتفتقد فيه الى مقرات ملائمة للعمل.
وإذا لم يتحدد بعد ما اذا ستنظم الهيئة انتخابات مزدوجة أو منفردة فان فترة اعدادها، وفق مواصفات دولية تحترم قواعد الديمقراطية وتضمن الشفافية ، تتطلب بين ستة وثمانية أشهر، وهو ما يمثل عامل ضغط ودافعا للاستعجال، خاصة أن الفترة المتبقية سيتخللها شهر رمضان والعطلة الصيفية، وهي أشهر يتضاءل فيها الانتاج وتتراجع فيها ساعات العمل والمردودية الفردية والجماعية.
الى ذلك فان البيئة الانتخابية الراهنة ليست في أفضل صورها ولا يمكن أن تضمن صراعا سياسيا دون عنف مادي ومعنوي، في وقت ارتفع فيه منسوب الاحتقان وتعالت فيه درجات رفض الآخر وكره الطبقة السياسية بكل أطيافها ، لانها أغرقت التونسيين في التجاذبات السياسية وعملت على تقسيمهم وعجزت عن تحقيق وعودها وتناست أهداف الثورة، التي ظن جل التونسيين أنها ستغير أحوالهم وتطورها.
كما أن شبح الإرهاب مازال مسيطرا، رغم تعافي الجهاز الأمني وتحقيقه لعديد الانتصارات في معركته ضد الإرهاب، والاستقرار مازال لم يكتمل، وقد تأتي الأسابيع والأشهر القادمة بما يصب الزيت على النار التي تبدو خامدة ، اذا ما تأكد الاتجاه نحو تجميد الأجور ورفع الدعم عن المواد ذات الاستهلاك الواسع.
ولا تبدو أمام مهدي جمعة، الذي لم يتقدم كثيراً في تنفيذ بنود خارطة الطريق وخاصة في ما يتعلق بمراجعة تعيينات الشخصيات ذات العلاقة بالانتخابات، عديد الخيارات لفك طلاسم الأزمة ، التي تتطلب تضحيات وخيارات مرة ومؤلمة، لكن لم يتحدد من يتحمل الوزر أكثر من غيره، ولو أنه يجب عدم التفكير مطلقا في المواطنين البسطاء وصغار الأجراء وغيرهم من الفئات الهشة ودعوتهم الى مزيد التضحية والصبر، فالأمر أصبح فوق الاحتمال ولا طاقة لهم به وقد يكون مثقال التضحية القادمة قاصما للظهور، وهي درجة لا يمكن التكهن بما سيليها من نفوس ضاقت ذرعا بما حولها.
“الشروق” التونسية