الرئيسية / وجهات نظر / إلى أين نحن ذاهبون في غياب مشروع ديمقراطي حقيقي؟
41800ddcbf765d04344c295d60cdf173

إلى أين نحن ذاهبون في غياب مشروع ديمقراطي حقيقي؟

أود أن أبدأ مـوضوع تـدخلي هذا بالمعنى الذي يجب أن أعـطيه للنضال السياسي ولكل صراع بشري عنـدما نجد أن الحق يـواجه الباطل، وعندما الصواب يصارعه عدم الصواب، في زمن نجد فيه أن الجميع يسبح في الخيال السياسي الدنيء. وفيما يخصني، أقـول إن الوفاء والإخلاص والنضال السياسي كلها عناصر لخريطة طريق واحدة.
إن الرجال والنساء عندما يختارون مواقعهم السياسية إنما يكافحون كلهم من أجل غاية واحدة وهي الحرية، وأنا موقفي ثابت ولم يتغير.
إننا على موعد استحقاقي هام ومصيري بالنسبة للمستقبل السياسي للأمة، كنا نود الذهاب إلى هذا الاستفتاء مطمئنين وواثقين في قدرات مؤسسات الدولة التي من المفروض أن تـكون في الموعد مع واجباتها وأن تبرهن على أنها في مستوى الحدث وأن تتحلى بالحياد الكامل أثناء أداء مهامها القانونية، والقانونية فقط!
إن الانتخابات الرئاسية لسنة 2014 تمثل الرهان الأعظم للبلاد وهو رهان لابد من رفعه لتتمكن الجزائر من الخروج نهائيا من أزمة الثقة السائدة بين الدولة والمواطنين، وذلك بمشاركة كل القوى السياسية، إن وجدت حقا ضمانات حياد الإدارة واستقلالية القضاء.
سـوف تسمح تلك الضمانات للفائز المنتخب، مهما يكن، بالقيام بفترة انتخابه بكل مصداقية، لكن وبالعكس تماما، إن لم تتحقق تلك الضمانات في نزاهة الانتخابات وحرية الاختيار، فسوف تنجر البلاد إلى الفوضى العارمة والانهيار!
إن المسار الانتخابي يتطلب أن ينفذ في شفافية ونزاهة وإنصاف، ولقد تم تسجيل تصريح علني بذلك، وهذا غير كاف لوحده، والتصريح لا يكفي لضمان الشفافية التامة المطلوبة إذ مازلنا نتذكر التجاوزات والفضائح التي تم تسجيلها فيما مضى!
لا يمكن أن نكتفي بالإعلان عن ضمانات الشفافية والنزاهة بقرارات إدارية، أو أن تزيّن بها الخطابات السياسية.. إنها لا تقتصر على حسن النوايا أو آمال تـقدم في أشكال رسمية للرأي العام الوطني والدولي.
إن مصداقية هذه الانتخابات ومصداقية الهيئات الدستورية التي سوف تتولى الإعلان عن النتائج النهائية، هي التي سوف توضع على المحك وتتولى المسؤولية العظمى.
وموازاة لكل ذلك، فإن مصداقية بلادنا هي كذلك سوف تختبر أمام العالم، إن هي قادرة على أن تبني مؤسسات دولة يثق فيها الشعب.
لقد قامت الجزائر بكتابة أروع صفحات تاريخها في القرن العشرين، وإننا نشكل اليوم أمـة وشعبا متماسكا، تجمعنا راية واحدة بألوان جمهورية أسّسها رجال ونساء شرفاء بثمن أطنان من الدماء الزكية وأنهار من الدموع، لكن بشجاعة خارقة للعادة!
وهذا الكفاح من أجل الحرية لا يمكن لأحد أن ينساه، إن قيم الوفاء التي صنعتها سنين الكفاح، يمكن أن نطبقها اليوم في الكفاح من أجل جزائر مطمئنة وعادلة، منصفة ومتزنة.
لكننا نجد اليوم أكثر من أي وقت مضى أن المواطن الجزائري فقد الأمل، تهزه أحداث سياسية تحدد له مصيره ومصير أبنائه، مصير بلاده الجزائر التي تستحق مصيرا أحسن.
إن المواطن يريد أن ينصت ويسمع له وأن يفهم مطلبه، وهذا ليس بطموح جديد، بل هو مطلب تعبر عنه فئات واسعة من المجتمع.
إلى أين نحن ذاهبون في غياب مشروع ديمقراطي حقيقي؟
ـ في غياب تفكير ديمقراطي يكون بمثابة بديل حقيقي يحل محل النموذج السائد حاليا والذي يتميز بتسبيق المصلحة الفردية على الصالح العام وبالجري وراء الكسب اللاشرعي؟
ـ في غياب هيئات قوية قادرة على وضع الإستراتيجيات وتحديد النظرة المستقبلية ووضع هيئات العقل المسير؟
ـ إلى متى يمكن أن نقبل استمرار ثقافة السطو، ثقافة الهجمات الدموية التي تتحول إلى حرب النبذ والسرقة؟ تلك الهجمات التي تغزو الميدان الاجتماعي دون مشروع سياسي بديل للقوى الاجتماعية التي تخدم المجتمع والتي غالبا ما تنجح في غزو جهاز الدولة؟
ودون تعددية حزبية حقيقية وحركة جمعوية فاعلة، لم يكبح جماحها، فإن حركة الشارع في الغليان وأسس الجمهورية تهتز وتتهاوى.
لا يتعلق الأمر هنا بالانتقاد من أجل الانتقاد! لكن الأمر هو البحث عن تقديم حلول إيجابية لأن مسؤوليتنا السياسية تهدف إلى البحث عن المثل العليا وعن الأفضل ولم يكن المقصود تشويه صورة الدولة أو الأمة!
إن أخطر تهديد في بلادنا يتمثل في آفة الرشوة! لأن النظام تلاشى ونجد أن كل هيئة تمثل جمهورية مستقلة في حد ذاتها دون توجيهات استراتيجية!
الصورة تبدو مخيفة! نرى ما لم نره سابقا، وهو انهيار وتفتت الدولة الجزائرية تدريجيا! هل مثل هذا الحكم مبالغ فيه؟ لا، خاصة للذين يواجهون ويعيشون الواقع اليومي في البلاد!
إن إشارات الأحداث الجارية تجبر الرأي العام ووسائل الإعلام والسياسة على التحلي باليقظة حيال صحة ومستقبل بلادنا، فهذه الإشارات تشتعل من عدة جوانب داخل البلاد، وفي الدائرة الإقليمية والدولية على حد سواء. واليوم نجد أن الأمر لم يعد يقتصر على الشباب فحسب، بل إن هناك شريحة كبيرة وقطاعا كاملا من المجتمع أضحى ميّالا إلى فكرة الهجرة. بالمقابل، فإنه لا مناص من الاعتراف بأنه لم تعد لدينا الفرصة للهروب من واقع شعبنا، فالوضع الاجتماعي للأشياء والحالة النفسية لعصر يدفعان إلى أن ننظر إليهما نظرة أبدية، وكل الفوارق التي تفصلنا بعضنا عن بعض، تدفعنا إلى التساؤل: هل ينبغي أن تستمر جميع الأعباء الاجتماعية، والغباء السياسي؟
إن موقف رجل سياسي خبير ومحنك لا يتمثل في تقديم واجهة “الكمال” طيلة حياته، ولا إثراء إغراءات شعبوية لا تدوم، بل يكمن في إبراز القدرات على الوصول بـ”الباخرة” إلى بر الأمان، كما تنتظر منه الأمة.
انطلاقا من الملاحظة والتحليل للخطوات الأولى في إنجاز وتنفيذ القرارات التي تهدف إلى إرجاع للمواطن ما هو غالٍ لديه (الجمهورية، هيئاتها، أخلاقياتها، نخبتها..)، حينئذ يمكن دعم الخطة المنتهجة أو استنكارها.
ولم أكن في جسم الذي يطلق النار على كل ما يتحرك، مثله مثل ذلك الصياد المتربص الذي يرمي بالبندقية على طائر فيقتل كلبه!!، أو في جسم الأخصائي الذي ينتقد كل شيء ويتطرق للنوايا أكثر ما يحلل الوقائع والأحداث والذي يصل إلى الخاتمة قبل استكمال التحقيق.
وفاء لتاريخنا الوطني المجيد ولبطلاتنا وأبطالنا، عـلـينا أن نفتح ذراعينا لجزائر منظمة، حيث يسمح لكل أبنائها بأن يعيشوا هويتهم بكل حرية وفي كرامة وأمن وسعادة. لنفتح الذراع لجزائر أخوية، متسامحة، طموحة تكون متواجدة في محفل الدول باعتزاز.
لا يمكن لأحد أن يحتكر حب الوطن لوحده! لا يسمح لأحد أن يجعل حب الوطن رهينة لديه! يمثل حب الوطن مطلبا للشعب الجزائري برمته وذلك عبر عصور تاريخه العميق!
لذلك أقول: “رجاء فلنوقف كل هذه الضجة، ولنتوقف عن الرغبة في أن نحل محل الإله، وأن نعد الفردوس والجنة للبعض والجحيم للبعض الآخر، وتسليم شهادات الوطنية للبعض والخيانة للبعض الآخر”.
لا يتعلق الأمر بدعوة إلى الرجوع إلى الماضي كحل للقضاء على هموم المجتمع الحالية، ولا كسرب وخيال لترسيم الآفاق.
كما لا يتعلق الأمر باستدعاء ذكريات لانتصار حقيقي يستعمل كملجأ في الماضي لأننا خائفون من المستقبل، ونعتبر ذلك من الماضي عندما نريد بناء المستقبل!
فبالعكس، علينا أن نستثمر ونسجل أنفسنا في الحركية الجديدة متخلصة من الأمور الظرفية التافهة، تتجذر في تطور الزمن، مشحونة بعناصر التغيير الحقيقي وتكون بمثابة محرك لبناء مجتمع الغد.
وهي كذلك فرصة تستغل وبسرعة، كأداة للتماشي مع وضوح الرؤية، شجاعة روح المواطنة التي تسمح بإلقاء نظرة نقدية في مرآة الواقع.
لا وجود لجمهورية دون شعب، ولا وجود لدولة دون هيئات رسمية ذات مصداقية يقبلها الجميع، كما أنه لا توجد هيئات دولة ذات مصداقية دون نظام قضائي يضمن العدالة للمواطنين، ودون أمن يسهر ويحافظ على النظام العام ويعطي المعنى للقوانين، ودون برلمان يشرّع القوانين.
ألم يحن الوقت للتفكير بعمق وبشجاعة مدنية لترجمة طموحات وأحلام تلك الأرواح التي سقت بدمائها الزكية أرض الجزائر، ترجمتها في سياق جديد إلى ديناميكية ناجعة تستجيب لطموحات جزائر غنية بأبنائها؟
وأخيرا فهي فرصة للاستشراف والبحث عن السبل التي تخبرنا بمستقبلنا المشترك ونتوجه نحو آفاق واعدة تتماشى مع القرن الـ21، ونندرج ضمن المسار العالمي بفتح مسارات الحرية، بفتح الفضاءات وخاصة باحترام الفرد وخياراته!!
وفي هذا المقام لا يمكن إلا لرجل دولة، ترسخ مكانته على صفحات التاريخ الناصعة والذهبية، كقائد مغوار وشجاع ومقدام وأب يرعى أبناءه ويحميهم، يكون قادرا على أن يوصل السفينة إلى بر الأمان. أما بالنسبة لرجل السياسة، فإن همه الوحيد يتمثل في البقاء في السلطة إلى ما لا نهاية، ولكن هل ذلك من قبيل الممكن؟ أم أن ما يتعيّن أن يحدث لا محالة لن يكون إلا للآخرين؟
“الخبر” الجزائرية