الرئيسية / وجهات نظر / تجميل الاستقلال وتجميد العقل في تونس
ff5ccb66e4b85819598219b8dc06177f

تجميل الاستقلال وتجميد العقل في تونس

اواخر الاسبوع الماضي كان منتجع الحمامات في الساحل الشرقي لتونس مقصدا لنخبة من الاطباء والجراحين، بعد ان اختار المشرفون على المؤتمر العربي الرابع عشر لجراحة الحروق والتجميل، واحدا من فنادقه الفخمة ليحتضن اجتماعاتهم. في ختام جلسة الافتتاح وبعد ان تعددت الاشادات بالتقدم الذي احرزته تونس في المجال الطبي، صرح وزير الصحة لمراسل وكالة تونس افريقيا للانباء بكثير من الثقــــة والفخر بان بلاده قادرة على ان تكون وجهة متميزة للسياحة الطبـــية العلاجــــية، بفضل الكفاءة العالية لاطبائها. اما الوفود العربية التي حضرت الى الحمامات وتبادلت، مثلما تقتــــضيه العادة في تلك المناسبات العلمية، تجاربها وخبراتها في مجال التجميل ومعالجة الحروق، فلم تكن تعلم انها حضرت الى بلد صار يحقـــق ارقاما عالية وقياسية في عمليات تجميل اخرى غير تقليدية تتجاوز الاعضاء البشرية المعروفة، الى مسائل اشد تعقيدا وصعوبة، مثل التاريخ والذاكرة الجماعية وحتى انتماءات البلد وروابطه الثقافية والروحية.
الاحتفالات الباردة والباهتة بالذكرى الثامنة والخمسين لاستقلال تونس، التي وافقت العشرين من الشهر الحالي، قدمت نماذج حية لتلك العمليات التجميلية التي تتعاضد فيها جهود السياسيين بخبرات الاعلاميين. وما لفت الانتباه عشية تلك الذكرى هو التحذيرات التي نقلها وزير الداخلية الى وجهين بارزين في الساحة السياسية التونسية، وهما الباجي قائد السبسي زعيم حركة نداء تونس، وحمة الهمامي القيادي في الجبهة الشعبية، حول ورود معلومات استخبارية ترجح احتمال تعرضهما للاغتيال مما يستلزم منهما مزيدا من الحذر وتجنب الظهور في الاماكن العامة. ومن الغريب ان تكون النتيجة الفورية والحتمية لذلك هي، الغياب الواضح لحزبيهما عن المشاركة بشكل بارز ومناسب في مناسبة وطنية من المفترض ان تحمل الكثير من الدلالات المهمة، لارتباطها المعروف طوال العقود الماضية بشخص الزعيم بورقيبة، الذي يعتبره الحزبان رائدا للاستقلال والحداثة ويروجان باستمرار على انها، اي الحداثة، مهددة الان بزحف مشروع اسلامي خطير ومدمر، لكن الفرصة كانت مفتوحة في المقابل امام حزب اقل حجما ووزنا يتزعمه اخر وزير خارجية في عهد الرئيس المخلوع بن علي، لعقد اجتماع بانصاره داخل احدى القاعات في ضاحية اريانة، وما صدم الكثيرين خلال ذلك الاجتماع هو، تقدم احدى السيدات الى المنصة لالقاء قصيدة تمتدح فيها نظام الرئيس المخلوع وتبدي اسفها على حل حزبه واصفة نفسها باليتيمة بعده.
مشاعر الحنين الجارف الى الاستبداد التي صارت تظهر بين الحين والاخر تتماهى الى حد كبير مع حالة تقديس طوباوي اعمى لرموز وشخصيات، وحتى احداث لا تقدم فيها سوى رواية وحيدة وفريدة بلسان بطل خرافي تنسب له دون غيره كل الخوارق والمعجزات، ويرتفع فوق جميع اشكال المحاسبة ولو كانت تاريخية او رمزية بعد سنوات طويلة من وفاته. ولا يبدو ان هناك الان رغبة من اي طرف من الاطراف في خضم الانشغالات المحمومة بالتحضير للانتخابات المقبلة في فتح الملف الشائك والحساس لاستقلال ارتبط في المخيال العام بحزب وشخص، ثم حقبة ظلت معتمة ومقفلة امام البحث العلمي النزيه والمحايد، والسبب المباشر لذلك هو هذا الترابط العضوي بين مخلفات زمنين حكم خلالهما بورقيبة وسلفه بن علي .
لقد اختار الجميع تقريبا تأجيل الحسم في زمن الثاني الى عدالة انتقالية لم يعد احد يثق او يعرف ان كانت قادرة على تجاوز سقف التوافق السياسي الصعب والهجين الذي تم التوصل اليه بين الجلاد وضحيته، فيما ارتبط ذلك الزمن بالاول من خلال شبكة واسعة من المصالح المعقدة لا في الداخل فحسب، بل حتى في الخارج ايضا بما يجعل مسألة تفكيك الزمنين او فصلهما عن بعضهما بعضا بالمهمة الصعبة حتى لا نقول المستحيلة .
الكلمات القليلة لرئيس الحكومة السابق علي العريض في خطابه في اليوم نفسه امام انصار حركة النهضة الذين توافدوا على شارع بورقيبة، التي جاء فيها انه لا يمكن لشعب يطمح للتقدم ان يسجن نفسه في الماضي، ثم تساؤل الرئيس المنصف المرزوقي في خطابه الرسمي عن معنى الاستقلال في بلد لم يحقق أمنه الغذائي بعد، تبدو في خضم ذلك التعامل العاطفي المهزوز مع حدث الاستقلال الذي يقصي كل قراءة نقدية او موضوعية، مجرد اشارة اولية على انه قد آن الاوان في تونس للاحتكام لصوت العقل وازاحة اصنام الماضي من طريق الحقيقة المنسية والمغيبة عن عمد. ولكن الواضح ان الامر يتطلب مزيدا من الجهد والوقت في ظل ما تعيشه النخب القديمة من انفصام معرفي وثقافي حاد مع الواقع، ووقوع الاجيال الجديدة الشابة تحت سطوة الضغوط المعيشية المعروفة التي تجعلها تدير ظهرها بالكامل لذلك التاريخ، مشرقا كان أم مظلما. وربما لطول الوقت وجسامة المهمة المضنية والصعبة تتواصل عمليات التجميل المعهودة ويستمر معها اقبال السياح العرب والاجانب على تونس، بعد نجاحاتها الطبية الباهرة، لكن اخفاقاتها الحضارية والتاريخية يرغب الجميع الان بنسيانها واخفائها.
“القدس العربي”