الرئيسية / وجهات نظر / تونس لن تتجمع من جديد
ce51d2ca6d647c403dfc0c09f3283ae8

تونس لن تتجمع من جديد

مثلنا الشعبي يقول (ما يحس الجمرة كان اللي عفس عليها)، مثل طبعا خرج من بين ثنايا هذا الوطن، وسطره أجداد هذا الشعب، مثل يقابله في تراثنا العربي ‘لا يؤلم الجرح إلا من كان به ألم’، وخلاصة معنى ذلك أن تقدير الأذى والألم اللاحق بأي شخص أوجماعة من جهة ما لا يحسه ولا يستقيم التعبير عنه إلا مِن ذات من أصابه هذا الألم، ولا يمكن لأي جهة أو شخص آخر أن يضع نفسه مكان المصاب والمتأذي أو أن ينوبه في تقدير نوع وحجم ضرر ذاك الألم.
قياسا على هذا وإسقاطا على حيثيات الحراك الرديء والمشبوه لبقايا مكونات هيكل التجمع الذي ذهب في زعم التونسيين أن القضاء حله وبذلك اقتلع من جذوره وأصبح في عداد الأموات، غير أن ‘عكسيات’ المسار الثوري التي شملت كل ما كان سواد الشعب يعتقد أنه مكاسب ثورية، عكسيات كان من انتخبه الشعب وفوضه أمره وأمرالبلاد هم أكــــثر الناس حرصا على تقنينها ودسترتها وتبييضها!
حراك اتسم بالصفاقة والوقاحة لهؤلاء المسامير الصدئة بعد دهر قصير من الإختباء في جحورهم و’ترنيبهم’، اختباء انتهى بعد ما خان جل المستظلين بقبة التأسيسي لعهودهم ومواثيقهم وانحيازهم لأجندات أحزابهم أو لعمالة مأجورة، اختباء انتهى بعد أن تسنى لهم الظهور من جديد ثمن مقايضة أحزاب صعدها العمق الشعبي اعتقادا منه أنها ذات وعود صادقة وأنها الأقرب والأنفع له باعتبار المرجعيات التي كانت تروج لها قبل الإنتخابات والشعارات التي كانت تقرع بها آذان الناس قبل أن تقرع بيوتهم بابا بابا.
إختباء انتهى لتحل محله، بجاحة وصحة رقعة، أخذ إعلام العار على عاتقه التبشير لها وحشرها في بلاتوهاته وبرامجه وبين ورقات صحفه الصفراء .
ولعله من سخرية الناتج الحاصل من الثورة التونسية فقط وخلافا لكل ثورات التاريخ أن يسترجع الجلاد أنفاسه ليبيض سواد إجرامه ثم يقحم نفسه في قاطرة المسارالثوري ليسجل نفسه واحدا من مفجري الثورة وبناة المسار!
كل هذا الحراك صار ويصير هذه الأيام في محافل الأحزاب وبمباركة سفارات الدول (الشقيقة والصديقة للساسة طبعا)، وبرعاية من خارطة الحوار الوطني وطاقميها الخفي قبل المعلن .. رؤوس فساد تمنح صكوك البراءة وتخرج من السجون، بل تتسارع لإحياء وتلميع ماضيها السياسي ولتحتل الصفوف الأولى مقابل اندحار شباب الثورة وصانعيها الذين دحرجهم المشهد السياسي الجديد أو عمر بهم نفس السجون .
مفارقات وإحباطات ينتجـــــها سياسيون لا يد لهم في الثــــورة، ولكن يعايشها شعب عانى الويلات من قبل ومن بعد الثورة، شعب عانى من الظلم واغتصـــاب الحقوق وسرقة المقدرات والثروات، شعب أنهكته الأتاوات المفروضة عليه من ســـاكني قرطـــاج، شعب كممه الجنرال بعد أن سلب كل جماليات فيه من الدين إلى الهــوية إلى الرجولة والكرامة وقيده بحديد البوليــــس استئناسا بتقارير الصبابة الذين توزعوا في كل مكان وتنوعوا في تشكيلات ومسميات عدة ..
معاناة امتدت عقودا من الزمن قد لا تسعها ولا تحويها عشرات المجلدات لتفصح عن كم الآلام والويلات التي كانت تحدث في تجاهل صارخ لنفس رموز الإعلام القائم اليوم وبعيدا عن مناضلي ما وراء البحار وبعيدا عن متطفلي المشهد السياسي اليوم و)قلابة الفيستة ) وأدعياء النضال اللايت !
لقاءات وصفقات و بيعات وشريات وتقاسم أدوار، من وراء ظهر الشعب وداخل الغرف المغلقة وفي مطابخ السياسة الأخرى ..ولا عزاء لأبناء هذا الوطن، ولا رأي ولا مشورة لهم، فهذا الشعب في نظر ساستنا لا يعدو أن يكون كومبارس انتخابات يؤدي دوره وينسحب مفوضا أمره لأهل الحل والعقد، ونسوا أن هذا الشعب بكل مكوناته وبكل جغرافيته قد انكسر قيده وانجلى ليله وحلت عقدة لسانه بعد أن سجل على جبين التاريخ ثورته الشعبية ضد أقوى دكتاتورية، وأنه لن ينثني وإن صمت لبعض الوقت فهو لهيب يخفيه بعض رماد ولن يغفرللمتاجرين والمقايضين ولن يرضى أبدا أن تتجمع تونس من جديد!!
“القدس العربي”