الرئيسية / وجهات نظر / العهدة الرابعة: الشعب والنخبة
623f888ae943d37df6950470d6eb0edc

العهدة الرابعة: الشعب والنخبة

الجزائريون بشكل عام لا يحبون كلمة “النخبة” ولا المفهوم الذي تشير إليه، لأنها ترتبط في عقولهم بفكرة التمييز و”الحڤرة” أو حتى العنصرية. وإذا كان هناك شيء لا يطيق الجزائري سماعه، وقد يشهر السكين حينها، فهو أن يقال له ولو على سبيل المزاح إنه يوجد من هو أحسن منه أو أفضل في مجال معين. لن يضطر حينها للبحث طويلا عن حجة يدافع بها عن نفسه، بل يجدها جاهزة للاستعمال في نفسيَّته وفي الثقافة الشعبية التي ترعرع فيها: “كامل اولاد 9 أشهر”، مع أن الدكتورة بوراوي يمكن أن تؤكد لنا غير ذلك، وكذلك “كلنا بشر”، أو ربما “كامل عند ربي كيف كيف” الخ. يمكنه أن يكون أميا أو متسولا أو حتى متشردا، لكنه في هبة المعركة لن يعترف بكونه أميا “الفاهم لهلا قرا”، أو متسولا “وين راه العيب؟”، أو متشردا “تبون هو السَّبب”.
لا يعرف الجزائري العادي العُقَد ولن يهيبه أن يقف أمامه أينشتاين شخصيا: “ألا تعرف من أكون؟” سيرد عليه. حتى قبل أن يشهر سكينه، فإن قوة إقناعه ستزلزل أياً كان وتجعله يشك في قدراته العقلية، ولا يسع المرء حينئذ إلا أن يصمت أو إن تحلى بالشجاعة الكافية أن يكتفي بالرد متأسفا: “افعل ما شئت”.
خلال فترة الاستعمار الفرنسي كانت توجد بين السكان الجزائريين “نخبة” اجتماعية صغيرة تشمل عددا محدودا من أصحاب المهن الحرة، الموظفين، المعلمين والتجار؛ كانت أقلية نادرة من بينهم “متجنسة” أي حاملة للجنسية الفرنسية. وكانت هذه الطبقة في أعين باقي الجزائريين، حتى لا نقول لا تنتمي إليهم بالمرة، كانت تُمثل طبقةً بعيدةً من الأعيان والأثرياء، وهذا ما كان يعتبر في عقليتهم نوعا من “الخيانة”: خيانة للأصول، للجذور، للإسلام أو القضية الوطنية، لا يهم لماذا لكن خيانة رغم ذلك، مع أن الكثير من أبناء تلك النخبة كانوا يناضلون من أجل القضية الوطنية في صفوف الـPPA تحت قيادة مصالي الحاج أو UDMA لفرحات عباس.
خلال عهد الحزب الواحد بنسخة مساعدية وڤايد أحمد ويحياوي، كان مصير النخبة السخرية، وكان يفَضَّل عليها “المناضل الثوري” حتى لو لم يشارك حقيقةً في أي ثورة. كان يكفيه أن يحمل بطاقة الأفالان ليصبح مثلاً يجب اتباعه، قدوةً فكرية وأخلاقية، “الحسام والصولجان”. وأصبحت تلك الصفة تَدُرّ على حاملها أكثر هيبة ودخلاً وامتيازات من حمل الدكتوراه، حتى أدى ذلك بالكثير من حاملي الدكتوراه إلى اعتناق الموضة الجديدة كي لا تَؤول نهايتهم إلى التشرد.
أصبحت الوقاحة والاكتفاء والجهل تتربع على عرش الدولة والحزب وتتهكم على المثقفين والمفكرين والمتبصرين، خاصة لو أبدى هؤلاء أي تحفظ على سياسة تسيير البلد. كان يعتبر عاديا وطبيعيا أن يقود المرء أمة ويُنَصب نفسه مثلا أعلى، مع أن مستواه الفكري ضارب في الجهل. هذه هي الجرائم التي ارتكبها الحزب الواحد “ضد الإنسانية” وضد حق الجزائريين في العقلانية والتفكير السليم. لم يتبق نتيجة ذلك أثرٌ لسُلَم القيم والاستحقاق في روح الأمة. لكل هذه الأسباب، إخواني أخواتي، سوف تكون العهدة الرابعة من نصيبكم بإذن الله. ستنالونها لأن مصالي الحاج حصل عليها في وقته، والدولة الجزائرية لم تولد بعد؛ وحارب جيش وجبهة التحرير المشغولتين بالجهاد ضد المستعمر لَما عارض جزء من اللجنة المركزية لحزب الشعب وحركة انتصار الحريات الديمقراطية، أن يترشح بعدها للخامسة. ولأن بن بلة كان طالبا لها وهو لم يضمن بعد إنهاءه للأولى؛ ولأن بومدين لم يفكر قط إثر انتخابه للثانية، بعد عهدة أولى دامت 12 سنة، في إرجاع السلطة لأي كان بعده. سوف تنالونها لأنكم اقتربتم أن تصبحوا الرَّعيَّة “لصاحب السمو الفظ” فلان أو فلتان، لو تمكن الـGIA بالأمس من إنزال نظام الخلافة من الجبال و”الكازمات” إلى قصر المرادية.
سوف نعرف المزيد والمزيد من المرشحين للرابعة والأبدية في المستقبل، طالما نحن “هكذا”. لقد رأيتم مؤخرا 132 مترشح للرئاسة وشاهدتم عن قرب ملامحهم وسمعتم كلامهم. كم من بينهم تعتقدون أنهم كانوا ليرجعوا السلطة أبدا لو حصلوا عليها؟ مع أن معظم هؤلاء لم يخرج من السلطة أو الأحزاب أو من مصباح علاء الدين، بل من صفوف الشعب. أنذرنا، في السابق، من هذه الأشياء، العربي بن مهيدي وعبان رمضان والعقيد لطفي وفرحات عباس ومالك بن نبي وغيرهم. لابد أنكم قرأتم يوماً ما تحذيراتهم، وحتما صادَفتُم الكلمات التي أوصلت إلينا هواجسهم، لكنكم لم تتوقفوا عندها طويلا. كم كان عدد الخلفاء الذين فرضوا على أنفسهم تحديدا للعهدات؟ كما قال الأمير عبد القادر يوما “الكرامة في المنفى”، أو كما يقول الحراڤة اليوم “الهربة تسلك”. بوتفليقة لم ينزل إذاً من السماء، كما أوضحت في مقال سابق، لكنه يعرف أحسن مني تراثنا الكلامي الذي يعج بالأمثلة والحكم الشعبية والنكت المعبرة (ليس تلك التي يستعملها سلال) التي يمكنها تبرير المعقول وغير المعقول على حد سواء. ويجد في هذا التراث الذخيرة الفكرية والدينية التي يمكن بها تبرير ما لا يُبَرر وتأييد ما لا يمكن تأييده. لم ينزل بوتفليقة من السماء ولكنه خرج إلينا من هذا التراث الذهني بالذات، وساهم في إثرائه ورفعه إلى مرتبة النموذج الفكري والمثل الذي ستتبعه الأجيال الصاعدة.
“الخبر” الجزائرية