الرئيسية / وجهات نظر / الإسلاميون ومحكّ السلطة
الدكتور-لكريني

الإسلاميون ومحكّ السلطة

بقلم: د. إدريس لكريني*
لم يكن «الحراك العربي» في مجمله من صنع الحركات الإسلامية؛ ذلك أنه حراك مجتمعي تلقائي صيغ في مجمله بعيداً عن القنوات الوسيطة التقليدية (أحزاب؛ ونقابات؛ وإعلام؛ ونخب مختلفة)؛ وكثير من هذه الفعاليات حاولت اللحاق به وتوجيهه واستثماره.
لقد ساد الطابع المدني أجواء الحراك؛ حيث غابت عنه الشعارات الدينية في مقابل التركيز على إسقاط الفساد والقطع مع الفساد ودعم الحقوق والحريات؛ غير أن صعود التيارات الإسلامية بشتى توجهاتها شكّل علامة مميزة لمسار هذا الحراك؛ في عدد من بلدان المنطقة، كما هو الحال في ليبيا ومصر وتونس والمغرب.
وإذا كان هذا الوصول إلى السلطة الذي تأتّى عبر صناديق الاقتراع؛ يجد مبرراته في مجموعة من الاعتبارات الذاتية والموضوعية؛ فإنه جاء في مرحلة استثنائية وحبلى بالتحديات والانتظارات. ما عرّض هذه التيارات التي لم تراكم في مجملها بعد اجتهادات تضع إجابات وحلولاً لمختلف القضايا والمعضلات الاجتماعية والاقتصادية المطروحة؛ لصعوبات جمة في علاقتها بتدبير الشؤون العامة ومواجهة الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية، وبالتواصل مع مختلف الفرقاء السياسيين.
تعاطت التيارات الإسلامية بسبل مختلفة مع هذا الحراك؛ بين من انخرط فيه بقوة؛ وبين من ثمنه عن بعد من دون أن يشارك فيه، وبين من رفضه واعتبره مؤامرة خارجية تروم زعزعة الاستقرار.
ويظلّ وصول التيارات الإسلامية للسلطة عادياً بالنظر إلى المنطق الديمقراطي الذي تتحكم فيه صناديق الاقتراع؛ غير أن هناك مجموعة من المبرّرات والأسباب التي دعمت هذا الصعود وبروز هذه الحركات كمستفيد وحيد من تداعيات الحراك في المنطقة؛ فعلاوة على وجود حالة كبيرة من خيبة الأمل والإحباط داخل عدد من المجتمعات في المنطقة؛ جرّاء تنامي المعضلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فإن معظم هذه التيارات ظلت أغلبيتها تشتغل خارج قواعد اللعبة وخارج الاعتراف الرسمي؛ كما أن تركيزها على إخفاقات الحكومات السابقة؛ واستنادها إلى خطابات دينية وأخلاقية؛ أكسبها قاعدة شعبية كبيرة.
يضاف إلى ذلك وجود ما يشبه حالة فراغ سياسي؛ نتيجة للتضييق الذي طال مختلف القوى السياسية والحزبية الأخرى داخل دول الحراك بما أضعف هذه القوى، ثم وجود قدر من التعايش الغربي مع التيارات الإسلامية في ظلّ عدم رفعها لمطالب مهدّدة لمصالحه في هذه المرحلة.
وإذا كان الحراك القائم في بعض الأقطار أسهم في تغيير الصورة النمطية التي تشكّلت عن بعض الحركات الإسلامية في مخيال الشعوب، من مهدّد للديمقراطية إلى ضحيّة للأنظمة في عدد من الأقطار، فإن وصولها إلى السلطة غذّى تخوفات بعض الأحزاب السياسية والقطاعات النسائية والحقوقية؛ من أن يتمّ التراجع عن المكتسبات التي تحقّقت على امتداد عقود.
ولم تخف في هذا السياق بعض التيارات الحداثية تحفظاتها إزاء المرونة التي عبرت عنها هذه الحركات (الإسلامية) في المرحلة التي أعقبت وصولها للحكم؛ في غياب مشروع مجتمعي متكامل لهذه الحركات؛ حيث تؤكد أن هناك فرقاً بين الخطاب والممارسة؛ وتعتبر أن الحداثة لا تستقيم مع المسلمات. فيما تساءل البعض عما إذا كان بإمكان هذه التيارات «الإسلامية» أن تسهم في تطوير مفهوم المواطنة والارتقاء بها؛ عبر تدابير تدعم تنمية الإنسان وتحفظ كرامته وترسخ انتماءه، منفتحاً ومتعدداً يتجاوز القبيلة والعرق والمذهبية؛ بما يجعل الولاء الوطني للفرد يسمو فوق كل الولاءات الأخرى.
وإذا كان من حسنات الحراك الذي حمل عدداً من التيارات الإسلامية إلى الحكم؛ أنه سمح بفتح النقاش من جديد بصدد العلاقة بين الدين والدولة؛ ودفع العديد من هذه التيارات إلى إعمال مراجعات فكرية وسياسية تحت محك العمل الحكومي وضغوطه الداخلية والخارجية، فإن وصول هذه التيارات للسلطة لم يخل من صعوبات وتحديات؛ تحوّلت معها من معارضة فاعلة إلى تدبير حكومي طبعه قدر كبير من الارتباك؛ نتيجة لوصولها الفجائي للسلطة؛ وغياب تراكم على مستوى الخبرة والتدبير الحكوميين؛ ثم الاصطدام بمؤسسات الدولة ؛ وعدم مراكمة هذه التيارات لأدبيات ومرجعيات فكرية كافية مرتبطة بقضايا حيوية؛ ووجود التباس على مستوى بلورة مشروع مجتمعي متكامل اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، ينسجم مع متطلبات الدولة الحديثة؛ إضافة إلى المبالغة في الثقة بالنفس أحياناً، وعدم توخي أساليب أكثر واقعية وانفتاحاً في التعامل مع الخصوم السياسيين.
لقد تباين أداء التيارات الإسلامية ما بعد الحراك العربي؛ من تجربة إلى أخرى؛ ففي الحالة المصرية تم عزل الرئيس محمد مرسي من خلال حراك يعكس إرادة المواطن المصري لتصحيح مسار الثورة وتجاوز مظاهر الهيمنة التي كرسها الإخوان.
وفي تونس لم تخل تجربة حزب النهضة من تحديات وصعوبات؛ حيث ظهرت صراعات سياسية حادة بين قوى تقليدية محافظة وأخرى حداثية بصدد مستقبل تونس وعدد من القضايا (تمكين المرأة؛ وتحييد المساجد؛ وعلاقة الدولة بالدين..). لكن حدة الصراع بين التيارين بدأت بالتراجع مع انتخاب المجلس التأسيسي وتشكيل حكومة ائتلاف وطني؛ وانطلاق حوار وطني بمبادرة من تحالف ضم الاتحاد العام التونسي للشغل؛ واعتماد دستور جديد؛ بصورة توافقية؛ ساهمت فيه مختلف القوى والكفاءات بالبلاد على اختلاف توجهاتها (علمانية؛ وإسلامية..).
وفي المغرب؛ قاد حزب العدالة والتنمية العمل الحكومي؛ بتحالف مكوّن من أحزاب متباينة في مرجعياتها وتوجهاتها، لم يكتب له (التحالف) الاستمرار بعد انسحاب حزب الاستقلال منه بعد سنة ونصف السنة على تعيين أعضاء الحكومة. وإذا كانت بعض قيادات حزب العدالة والتنمية ترى في هذا الانسحاب مؤشراً على رغبة البعض في تعطيل مسار الإصلاحات الكبرى التي باشرتها الحكومة، وإجهاض التجربة الحكومية الفتية، فإن حزب الاستقلال برّر انسحابه بانفراد رئيس الحكومة باتخاذ القرارات وعدم قدرته على تدبير الاختلاف داخل التحالف الحكومي، وعدم قدرته على التمييز بين مهامه الحكومية والحزبية.

* باحث أكاديمي من المغرب/”الخليج”