الرئيسية / وجهات نظر / أين البترول في تونس
أمين بن مسعود

أين البترول في تونس

بقلم: أمين بن مسعود*
استحالت حملة “وينو البترول” (أين البترول) على شبكات التواصل الاجتماعي في تونس إلى حملة لمحاسبة حدود الجغرافيا وجغرافيا الحدود، التي مكنت الجزائر من بحر من الغاز الطبيعي، وبوأت ليبيا مفاتيح مخازن ضخمة من الذهب الأسود، تاركة تونس وأهلها مكتوين بأوار مناجم الفسفاط في قفصة، وبجلجلة متفجرات معامل استخراج الفحم الحجري في مناطق الفقر والخصاصة، أكثر منها مجرّد مساءلة شعبية افتراضية للحكومات المتعاقبة على تونس ما قبل الثورة وما بعدها.
حملة “وينو البترول” تأتي في سياق أنثروبولوجي لافت من تاريخ “الشخصية التونسية”، حيث أدرك الوعي التونسي فاتورة الثورة الشعبية وتكلفة الانتفاضة دون محافظة على مؤسسات الدولة عامة، وخاصة الاقتصادية منها.
تيقن العقل التونسي صعوبة إنجاح معادلة إستراتيجية قوامها ثلاثة أضلع وهي؛ المحافظة على طابع المجتمع الاستهلاكي، والإضرابات العامة في كافة القطاعات، وإنجاح الانتقال الديمقراطي دون تقديم تنازلات اقتصادية فردية وجماعيّة حساسة ومؤلمة، فعوضا عن التضحية بالجانب الاستهلاكي للمجتمع قصد تحقيق أهداف ثورة 2011 اجتبى الفاعلون الفايسبوكيون البحث عن رافد استهلاكي جديد، قد يكون غير موجود بالمرّة، يؤمّن بقاء الطابع الاستهلاكي للمجتمع التونسي على ما هو عليه دون البحث عن “الثروة” الحقيقية الموجودة صلب المجتمع التونسي من مبادئ العمل الجدي واستثمار الوقت وتطوير إستراتيجيات التنمية وإصلاح منظومات التربية والتكوين والاستثمار.
“حملة أين البترول” تعبّر عن قصور في اجتراح مواطن للتنمية وفي تحويل “الثورة” إلى ثروة ماديـة ومعنـوية وفكرية فوق الأرض، فإذ بالعقل الجمعي التونسي يختار السكون باحثا عن “ثروة” مفترضة “تحت الأرض”.
سقط مشروع التحديث والتجديد في تونس، بعد أن اختارت مجموعة من التونسيين محاذاة نماذج تنموية “قطرية” تعمل لا على تحديث قطر وإنما على قطرنة الحداثة، فإذ بالشعب التونسي الذي كثيرا ما طبع مشاريع الإصلاح الفكري والتقني في العالم العربي بالطابع التونسي الخالص دون أن يخرج مقاربة الإصلاح من مضمونها، والذي حوّل الإصلاح من مطالب فردية نخبوية إلى مطلبية جماعيّة عامّة، يصاب بـ“ردّة” فكرية خطيرة تدفعه إلى استجلاب نماذج من التنمية المخادعة والتطوّر الهجين في قطر، حيث تلعب الثروات الباطنية دور المحرّك لا في تكريس الإصلاح شعبيا ومؤسساتيا، وإنما فقط في تأمين الشكل الخارجي من التنمية من خلال البنايات الشاهقة والسيارات الفارهة الضخمة وفضائيات تلفزية كبرى، على شاكلة باقة الجزيرة، دون أن يصاحب هذه المظاهر إصلاح حقيقي في الأداء والممارسة والفكر والثقافة الجمعيّة.
اليوم، يصاب مفهوم “الثروة” في تونس بانتكاسة حقيقية، إذ يتغيّر بصفة جذريّة من “الثروة البشرية” التي ارتكزت عليها دولة الاستقلال، والتي مثلت اللبنة الأساس لمشاريع الاستنهاض في ألمانيا واليابان ما بعد الحرب العالمية الثانية، وشكلت محور الرهان في كافة الأطروحات الثوريّة والتحرر الوطني من فلسطين إلى أميركا اللاتينية، ومنها إلى دول القارة السمراء، إلى “ثروة” باطنية يجود بها المكان دون أن تستصحبها، بالضرورة، طفرة في الإنسان وقفزة في مفهوم “الزمان” البشريّ.
نخشى أن يستحضر سؤال “أين البترول؟” السيناريو الليبي والعراقي حيث بات النفط مـدار مكاسرة إقليمية دولية تسعى إلى بسط الهيمنة الاستعمارية على مكامن الثروات الباطنية مستعينة بألسنة نيران حرب طائفية ومناطقيّة مقيتة، تعيد رسم الخرائط وفق حدود القبيلة والطائفة، ووفق تقسيم غنائم النفط بين اللاعبين الكبار.
نخشى أن يتحوّل سؤال “أين البترول” إلى سؤال “أين الوطن”، عقب تحوّل أوطان ولاعبين كبار مثل ليبيا والعراق والسودان إلى ملاعب للتجزئة الطائفية والهوياتية القاتلة، وباءت شعوب تلك البلدان بخسارة الأوطان والبترول معا.
لن نصادر حقّ الشعب الثائر من حقه الكامل في المساءلة القانونية والإعلامية عن “ثروات” طبيعية يعتبر أنها تذهب هباء منثورا بين “بارونات” المال والتهريب في تونس، ولكنّ من الأوكد أن قبل طرح سؤال “أين الثروات الباطنية” وجوب إثارة سؤال “أين الثورات الشعبية” في تونس، وفي غيرها من أقطار وطن عربي يحدّه دم… ودماء.

*كاتب ومحلل سياسي من تونس/”العرب”