الرئيسية / وجهات نظر / تونس… الاستثناء الواعد
Clovis-Maksoud

تونس… الاستثناء الواعد

زار الرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي، واشنطن الأسبوع الماضي، والتقى مع الرئيس، باراك أوباما، وكبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، وتناولت المباحثات بين الجانبين مختلف جوانب العلاقات والأوضاع في المنطقة. ولكن، جرى التركيز على التجربة التونسية، على الرغم من التحديات التي واجهتها، لكونها أبقت على الثوابت المتعلقة بالديمقراطية والحقوق السياسية والفردية والعملية الانتخابية.
وفي المقال المشترك، الذي كتبه الرئيسان، ونشرته “واشنطن بوست” عدد الخميس 5/21، أشاد الرئيس أوباما بالتجربة التونسية وانتخاباتها الحرة، التي أكدت سيادة القانون وحرية المعتقد والضمانات، التي وفرها الدستور الجديد لحقوق الإنسان والمساواة بين المواطنين، بمن فيهم النساء والأقليات. كما أشار الرئيسان، في مقالتهما، إلى شمول الحكومة علمانيين وإسلاميين، وإلى أن الديمقراطية والإسلام بإمكانهما التعايش والازدهار المشترك. وهذا تنويه ينطوي على تأكيد واعد من شأنه أن يساعد على توضيح التشويه، وتعزيز طاقات التصحيح للانحرافات والشوائب والتسريع بها. وصحيح أن التجربة التونسية حملت ممارسات شاذة، لكن خصوصية الساحة التونسية التي تميزت بالانفتاح وحرية التعبير، كانت صمام الأمان للتصحيح الفوري، ولاستئناف ربيعها، الذي كان فاتحة التغيير وحرّض الجماهير على رفض الواقع على المستوى العربي، دالة على طموحات الجماهير وتوقها للنهضة، لكن حراكها، الذي انطوى على حيوية ملهمة، بقيت مرجعيته غائبة حتى الآن. كما جرى التأكيد على أهمية التجربة الديمقراطية في تونس، باعتبارها تحمل بذور الانتشار في المنطقة، كما سبق لانتفاضتها أن كانت الشرارة الأولى التي أشعلت الربيع العربي. فمنذ نشوبها، أوحت الثورة التونسية بإمكانية التغيير، الذي طال انتظاره، كما أوحت بأن عملية التغيير في أوضاع معقدة ومتراكمة الرواسب، كما هي منطقتنا، يمكن أن تحصل، بصورة تدريجية انتقالية وسلمية، يجري الاحتكام فيها إلى عملية الاقتراع التي تفسح للمواطن فرصة للمشاركة في الحياة السياسية، طالما افتقدها، مع ما ترتب على هذا الفقدان من عواقب ندفع اليوم ثمنها.
لا شك في أن تونس نفسها تدرك حدود تأثيرها، ولو أنها لعبت دور الملهم في المنطقة. ولكن محدودية سلطة تأثيرها في محيطها لا تلغي نفوذ تجربتها. ومن هنا، إن قدرة هذا النفوذ مرهونة بتطور تجربتها. فالتناغم مع تجربة تونس في الوطن العربي قائم، ولو أنه مكبوت، وتحول دونه عراقيل لمنع انتقال “عدواها” إلى بقية ساحات ما عرف بالربيع العربي، التي ما زال معظمها غارقاً في التيه، وسجيناً لحالة اللاحسم.
إن قوة التجربة تكمن في أنها السبّاقة، التي حافظت على الأمل بالتغيير السليم، على الرغم من العقبات المتراكمة. ولا شك في أن وعي الشعب التونسي، وتنوّع ثقافته وممارسته وانفتاحه، كان له الدور الأساسي في هذه النقلة النوعية المفصلية، التي يبدو أنها تمتلك طاقات للتطوير والترسخ، بحيث تصبح عصية على مناخات العنف والإرهاب السائدة راهناً في عالمنا العربي.
ولا بدّ هنا من التنويه بأن تونس كانت حريصة على ترسيخ انتمائها العربي. وقد تجلّى ذلك في أنها كانت حاضنة لعناوين ومرجعيات عربية، في ظروف صعبة. فقد أبقت على ثوابت انتمائها، من خلال احتضانها القيادة الفلسطينية، وكوادرها بعد حرب لبنان عام 1982، وتحمُّلها، وبنجاح، مسؤولية جامعة الدول العربية التي انتقلت إليها بعد معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، حيث بقي مقرها هناك عشر سنوات، ولا زالت تحتضن الوكالات المتخصصة التابعة للجامعة، ومنها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
إن تونس اليوم، وعلى الرغم مما تخلل مسيرتها من شوائب، إلا أنها باتت تشكل بستان الأمل في وسط ظلمات مكبلة لحالات عربية عديدة. وبذلك، هي جديرة بالدراسة المعمقة والسرية، لعلها تساهم في العثور على مكامن التصحيح والتصويب اللازمَيْن والمُلِحَّيْن.

* كاتب ودبلوماسي ومفكر عربي/”العربي الجديد”