الرئيسية / وجهات نظر / جذور الأزمة الليبية
27b07e0e3bf42b45535a1335b82cd6c5

جذور الأزمة الليبية

لعل من المفيد في تحليل جذور الأزمة الليبية الانطلاق من إحاطة طارق متري الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة باجتماع مجلس الأمن في العاشر من مارس/آذار الجاري، الذي نوه فيه إلى عمق الأزمة السياسية والخلاف الحاد بين أكبر حزبين بالمؤتمر الوطني العام (تحالف القوى الوطنية والعدالة والبناء) حول مستقبل العملية الانتقالية ومصير المؤتمر الوطني العام والحكومة الحالية.
فتحالف القوى الوطنية بقيادة محمود جبريل يسعى -ضمن خطة أصيلة- لإسقاط المؤتمر الوطني العام دون بدائل سياسية يطمئن إليها الشعب الليبي، وضمن خطة بديلة تسعي لعرقلة كتابة الدستور رغم الانتخابات التي جرت أواخر فبراير/شباط الماضي، وكذلك إلى إطالة عمر المرحلة الانتقالية، ليتمكن من إلغاء قانون العزل السياسي، والذي يقف عائقا أمام ترشح زعيم التحالف لرئاسة الدولة.
فليس من مصلحة تحالف القوى الوطنية الانتقال إلى دستور دائم ومؤسسات تشريعية وتنفيذية كوليد طبيعي لهذا الدستور، ومن ثم غلق باب المرحلة الانتقالية إلى غير رجعة.
ولا نستطيع أن ننسى لكتلة التحالف بالمؤتمر الوطني وقوفها أمام إقرار التوافق بين أعضاء لجنة الستين بعد مباشرة عملها في ما يتعلق بالمسائل اللغوية التي تخص المكونات الثقافية بليبيا، مما أسهم -بشكل رئيسي- في مقاطعة الأمازيغ انتخابات لجنة الستين.
سارع تحالف القوى الوطنية إلى التأييد المبكر لمقترح لجنة فبراير، التي شكلها المؤتمر الوطني العام من ستة من أعضائه وتسعة أعضاء من خارجه، بغرض وضع تعديلات على الإعلان الدستوري، تنص على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في حال إعلان لجنة الستين بعد مدة شهرين من انعقادها عجزها عن كتابة الدستور الدائم.
ومن المستغرب بالنسبة له كتابة تعديل دستوري يناهز الخمسين مادة من لجنة مكونة من 15 عضوا في عشرة أيام، وتوقع عجز كتابة دستور من ستين عضوا منتخبين في أربعة أشهر، لكن هذا الاستغراب يزول عند التأكد من بدء تحالف القوى الوطنية عبر استخدام وسائل إعلامه المتلفزة وصفحاته الممولة على الفيس بوك من شنّ حرب ضروس على لجنة الستين، وما قد يؤول عنها من دستور، حتى أن رئيس الحزب محمود جبريل أعلن ذلك صراحة على قناة سكاي نيوز عربية مؤكدا عجز الليبيين عن كتابة دستور في الظروف الحالية.
مقترح تعديل الإعلان الدستوري أخل بالتوازن المفترض بين السلطة التنفيذية ممثلة في مؤسسة الرئاسة والسلطة التشريعية ممثلة في مجلس النواب، إذ علق نفاذ القوانين التي يقرها مجلس النواب على إصدار رئيس الدولة، وهو ما يذكرنا بعلاقة مجلس الشعب المصري المنحل بالمجلس العسكري الحاكم وقتذاك، إذ كان المجلس العسكري بقيادة المشير طنطاوي يفرغ قوة مجلس الشعب من محتواها أمام الرأي العام المصري بموافقته أو عدم موافقته على إصدار القوانين التي يقرها مجلس الشعب.
والعلاقة بين سلطات الدولة الثلاث رغم أنها محكومة بمبدأ الفصل بين السلطات، لكن هذا الفصل قائم على مبدأ آخر أهم وأشد أثرا، وهو التعاون والرقابة المتبادلة. وهذا ما افتقدته تحديدا تلك الوثيقة، والتي ستكون إعلانا دستوريا جديدا يسطر لمرحلة ما بعد 17 فبراير من الصفر، وليس على أساس التكامل والتداخل بين المرحلتين السابقتين.
وما قيل من أنها محض تعديل وليس إلغاء للإعلان الدستوري القائم لا يتفق ومنطوق الحقيقة القانونية والدستورية، فالنصوص التي وردت في الإعلان الدستوري ولم ترد في وثيقة فبراير هي نصوص عامة تعالج الحقوق والحريات، ولا تتطرق إلى صلب توصيف ومعالجة المرحلة الانتقالية، وجاءت تحت عنوان أحكام عامة.
كما أن مصير قانون العزل السياسي غامض في مقترح لجنة فبراير، إذ اشترط في عضوية مجلس النواب ورئيس الوزراء التمتع بالحقوق السياسية والمدنية، بينما استبعد هذا النص في اشتراط تولي رئاسة الدولة.
ونحن هنا أمام نص دستوري سيعلو على كافة القوانين من حيث الدرجة والقوة، وسيجعل ذلك الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا أمام مأزق دستوري وقانوني في حال رفع دعوى قضائية أمامها.
أيضا مصير قانون العزل السياسي أمام المحكمة العليا يعتريه الغموض، فرغم صياغته السيئة من قبل المؤتمر الوطني العام والظروف السياسية التي خرج بها قانون العزل السياسي، فإنه سيظل هو الفيصل بين حالة الثورة واللاثورة، بمعنى أنه يشكل حاجزا أمام صعود وعودة النظام السابق سواء برجاله أو آلياته وبرامجه.
ورغم البيان الذي أصدرته الجمعية العمومية للمحكمة العليا، والذي نأت فيه عن التدخل في الشأن السياسي ووقوفها على مسافة واحدة من الفرقاء السياسيين، فإنه يمكن تفسيره بأن المحكمة العليا تحاول تخفيف الضغط الواقع عليها من قبل تيارات شبابية وسياسية محسوبة على ثورة 17 فبراير في حال إلغائها قانون العزل في أبريل/نيسان القادم.
ولنا في واقعة الحكم بعدم دستورية بعض مواد قانون انتخابات مجلس الشعب المصري السابق شاهد قوي، فلم يمنع تظاهر آلاف المصريين أمامها من إصدار حكمها بحل مجلس الشعب، خاصة أن بعض نصوص قانون العزل السياسي قابلة للحكم بعدم دستوريتها، وخاصة تلك المتعلقة بعزل القضاة الذين كانت لهم صلات سياسية بالنظام السابق.
وقانون العزل السياسي تحديدا تتقاطع مصالح تحالف القوى الوطنية وكل المحسوبين على النظام السابق في إلغائه وإجهاضه، حتى يتسنى لهم التسلل لإدارات الدولة وتوجيه القرار السياسي.
ولذا، لا نعجب من تحالف قنوات إعلامية يمولها ويترأس مجالس إدارتها رجال أعمال نافذين من حزب تحالف القوى الوطنية مع قنوات تابعة لرجالات من النظام السابق تحاول تشويه قانون العزل السياسي أمام الرأي العام الليبي، وكذلك تشويه كل التيارات المدافعة عن القانون.
ممارسات حزب تحالف القوى الوطنية داخل المؤتمر الوطني العام وخارجه لا يمكن إنكار حقيقة أنها ضمن أجندة الثورة المضادة بليبيا، والتي تسعى بدعم إماراتي سعودي مصري إلى إسقاط ثورة 17 فبراير، وما قد ينتج عنها من مؤسسات سياسية سيادية قادرة على حماية المصالح العليا والمتمثلة في القطيعة التامة مع أدبيات وسلوكيات النظام الديكتاتوري السابق.
فتحالف القوى الوطنية -حقيقة- يستغل الفراغات الموجودة بين التيارات الثورية -وعلى رأسها حزب العدالة والبناء- في زعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهذه الفراغات نجمت عن عجز التيار المنبثق من رحم ثورة فبراير عن بناء تحالفات ذات رؤية مشتركة حول أهم القضايا السياسية والأمنية.
فشباب ثورة فبراير يعجزون عن فهم حقيقة وطبيعة المؤامرة الداخلية والخارجية المحيطة بليبيا، ويعتقد كل فصيل ثوري أنه قادر على حسم هذا الصراع ضمن رؤيته الأحادية والمبنية في أغلبها على استخدام السلاح.
فلم يستطع شباب ثورة فبراير تأطير نظرية متماسكة يعالج من خلالها الانقسامات السياسية الحادة، ويخفف من آثارها الأمنية والاقتصادية والمجتمعية، كما يعاني بعض قادة هؤلاء الشباب من عقدة نفسية تتمثل في مشاورة العقل السياسي لهذه الثورة والمتمثل في حزب العدالة والبناء، كما أن حزب العدالة والبناء عجز هو الآخر عن التواصل المستمر مع هذه التيارات الشبابية.
فالاعتقاد القائم بأن حالة التوازن بين قوى الثورة وتلك المضادة لها ستستمر إلى ما لانهاية لا يؤيده الواقع السياسي والأمني في ليبيا، فقوات الدروع التابعة لرئاسة الأركان والتي كان وما يزال لها دور كبير في ردع قوى الثورة المضادة تعرضت لانتكاسة كبيرة بشرق ليبيا وتحديدا في بنغازي، إذ وقعت هذه القوات في فخ استخباراتي نجم عنه قتل متظاهرين أمام مقرها في شهر يونيو/حزيران من العام الماضي.
وفي نوفمبر تشرين الثاني من العام نفسه، وقعت قوات من مصراتة تتمركز بمنطقة غرغور بالعاصمة طرابلس في الفخ نفسه، مما اضطر كلتا القوتين إلى الانسحاب من مواقعهما، بالإضافة إلى السمعة السيئة التي تلاحقها شعبيا.
فيمكن لقوى الثورة المضادة كسر حالة التوازن تلك بكل الطرق الممكنة، وينجم عن ذلك انحصار الثوار في زوايا ضيقة بسبب الضغط الإعلامي والشعبي، وبسبب سوء تقدير الثوار لإمكانياتهم وحدودها وضعف أدائهم السياسي، وعدم قدرتهم النفسية بسبب عقد غير مبررة تتعلق بتسليم قيادة فعلهم السياسي لمن هم أقدر وأنضج منهم.
تبقى قضية التدخل الخليجي السلبي في الشأن الليبي -وتحديدا الإماراتي السعودي- تثير قلقلا بالغا لدى قطاع كبير من الليبيين، إذ إن الإمارات والسعودية تدعمان بطريقة جنونية قوى الثورة المضادة بليبيا بعد نجاحها في دعم الانقلاب العسكري بمصر في الثالث من يوليو/تموز عام 2013.
ولعل ما بثته قناة العربية التابعة للسعودية والإمارات لإعلان اللواء المتقاعد خليفة حفتر تعليق العمل بالدستور وتجميد عمل المؤتمر الوطني والحكومة، لدليل على هذا السعي الإماراتي السعودي، بل وتواصلهما المستمر عبر وسطاء ليبيين مع بعض القبائل الليبية، ومد قادة هذه القبائل بالمال والسلاح لزعزعة الاستقرار، وتوصيل رسالة مفادها فشل الثورة، وزرع اليأس في نفوس الليبيين من إمكانية أن تكون لهم دولة ديمقراطية ذات سيادة.
كما أن حادثة سرقة بترول ليبي من ميناء السدرة النفطي عن طريق ناقلة النفط التي تحمل العلم الكوري الشمالي تشير هي الأخرى إلى هذا الدور السلبي للسعودية والإمارات بمحاولتهما دعم مليشيات مدنية وعسكرية انفصالية بشرق ليبيا تدعي حقوقا حصرية لإقليم برقة في بيع وتسويق النفط.
إذ إن سرقة بترول ليبي لن يتم دون رعاية دول بعينها هذه العملية، فهو ليس من السلع العادية التي يستطيع أفراد طبيعيون بيعه وتصديره وتسويقه، خاصة أن معلومات أشارت إلى أن ملكية الناقلة تعود إلى رجل أعمال سعودي، بالرغم من نفي السفير السعودي بطرابلس علاقة السعودية بهذه الحادثة.
رد الفعل الدولي لم يأت بالصورة التي كانت متوقعة على حادثة سرقة البترول الليبي، فمثلا تستطيع دول كإيطاليا وفرنسا أو حتى الولايات المتحدة الأميركية اعتراض الناقلة بالمياه الدولية وتوقيفها، وهذا ما قد يساعد في تأكيد وفهم طبيعة الدور الدولي، وتحديدا الخليجي السعودي الإماراتي، بالضلوع والاشتراك والمساعدة في سرقة النفط الليبي.
وتهدف هذه العملية إلى جمع أموال تساعد المليشيات الانفصالية في استمرار بيع النفط الليبي وزعزعة الاستقرار، كما أنها رسالة ذات هدف سياسي، وهو فشل مؤسسات ثورة 17 فبراير في المحافظة على المصدر الوحيد للاقتصاد الليبي.
ويبدو من ظاهر شهادة رئيس الأركان الليبي أمام لجنة الدفاع بالمؤتمر الوطني أن رئيس الحكومة علي زيدان يبارك مثل هذه العمليات التي قد تبقيه على رأس الحكومة لحين سقوط أو إسقاط المؤتمر الوطني العام، ومن ثم تفرده الكامل بالمشهد السياسي الليبي.
فقد قال رئيس الأركان اللواء عبد السلام جاد العبيدي إن رئيس الوزراء علي زيدان طلب منه عدم اعتراض الناقلة النفطية، بسبب اتفاق بين علي زيدان وإبراهيم الجضران آمر حرس المنشآت بالمنطقة الوسطى.
“الجزيرة”