الرئيسية / وجهات نظر / المغرب: خطوة في الاتجاه الصحيح
fa4c0aa8a0084eeb8fae3bc4745a8789

المغرب: خطوة في الاتجاه الصحيح

استأنست الحكومة المغربية باقتراح المجلس الوطني لحقوق الإنسان، لجهة رفض متابعة المدنيين قضائياً أمام محاكم عسكرية. وأقرت مشروع قانون بهذا الصدد يعتبر الأول من نوعه الذي يحد من مؤاخذات محلية ودولية إزاء تحسين سجل البلاد في احترام حقوق الإنسان.
منذ الانعطاف في اتجاه مراعاة البعد الكوني لقيم العدالة الانتقالية وتكريم الإنسان، اضطلعت المنظومة الحقوقية في المغرب بأدوار تجاوزت صورة إطفائي الحرائق، فقد انبرى المجلس الاستشاري الذي أحدثه الملك الراحل الحسن الثاني في تسعينيات القرن الماضي للإمساك بالملفات الحارقة، وفي مقدمها الوضع الاستثنائي لمعتقل «تازمامارت» الرهيب الذي كان يؤوي عسكريين دينوا بالتورط في المحاولتين الانقلابيتين لإطاحة النظام، في ظروف غير إنسانية بالغة القسوة والإهانة، وصدور عفو عن المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين، فيما بدأ العاهل المغربي الملك محمد السادس فترة حكمه بتشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة التي أفضت إلى مبادرات إنسانية وسياسية واجتماعية لجبر الضرر وكشف النقاب عن السجل الأسود في الاستحقاقات الجسيمة لحقوق الإنسان. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد وتجاوزه إلى إقرار مدونة الأسرة وتأمين الجنسية للأطفال من أمهات مغربيات وتكريس ما أطلق عليه محمد السادس «المفهوم الجديد للسلطة».
بيد أنه في غضون اتساع نطاق هذه المبادرات زادت حدة المطالب، ففي رهان أوضاع حقوق الإنسان يشبه التحدي أداء ضرائب مستحقة، يصعب أن تعالج كل القضايا بالنظر إلى خصوصيات المجتمعات، سيما عندما يطاول الأمر حرية المعتقد وبعض الظواهر المصنفة أخلاقياً وقانونياً في خانة الشذوذ. واللافت أن أكثر الانتقادات حدة توجه إلى المغرب في ملفات لها ارتباط بالممارسات في المحافظات الصحراوية، إلى درجة أن بعض الأطراف لوحت بإمكان منح «المينورسو» صلاحيات لا تتوافر عليها في مهمتها ذات الصلة بقرارات مجلس الأمن لناحية رقابة أوضاع حقوق الإنسان، ثم خف الجدل في ضوء حوار واسع النطاق بين الرباط وواشنطن وشركاء آخرين.
لدى الإقرار بالفارق بين استخدام ورقة حقوق الإنسان في مجالها الحقوقي وليس السياسي، تبرز إشكالات لها صلة بحدود التصرف، عندما يتعلق الأمر بانتهاك القوانين السارية المفعول. ويبدو جليا أن ضبط النفس لا يذهب إلى مداه دائماً، وخاصة أثناء اندلاع القلاقل وإثارة الفوضى التي تجهز على الأشخاص والممتلكات، ما يفرض الحذر إزاء قطع الحبل الرفيع الذي يفصل بين الحالتين، وأقربه أن سلطة القانون تسمو على غيرها وأن المحاكمات العادلة تشكل الفصل الذي يحسم في أي إشكال. وإن كان الراجح أن الجدل يثار حول الأسباب التي تؤدي إلى المحاكمات وليس إلى وقائعها.
مبادرة إلغاء محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري خطوة في الاتجاه الصحيح، تنزع عن القضايا المطروحة جانباً من المؤاخذات التي دأب عليها نشطاء حقوقيون. ولا يهم إن كانت تنصرف لمواجهة تداعيات معينة، بل الأهم أن ترافقها إجراءات أكثر عدلاً وانفتاحاً، تقيس الأشياء بمخلفاتها، ذلك أن مصدر الاهتمام في تسليط الضوء على حال المغرب لا يمكن فصلها عن البعد السياسي لنزاع الصحراء، بعد أن تحولت ورقة حقوق الإنسان إلى وسيلة من آليات الصراع. ولعله بسبب حساسية الموقف تجد السلطات المغربية نفسها أمام خيارات أحلاها مر، فهي إن تغاضت عن بعض الممارسات أفسحت المجال أمام فقدان السيطرة على الوضع، وإن شددت الحزم ووجهت بمؤاخذات، لكنها تستطيع أن تتخطى الألغام بقدر أكبر من الحرص على تنفيذ سلطة القانون، في ضوء تشذيب أي تصرفات يشتمّ منها أنها تعاكس هذا التوجه. ولا يمكن الاستئناس بفكرة أن هناك مبالغة، لأن الظاهرة جزء من حروب نفسية وسياسية تدار بها كل المعارك المشروعة وغير المشروعة. ولا يمكن لمن يخوض أي حرب دفاعية أو استباقية، أن يدّعي أن الخصم يقذفه بالقنابل والصواريخ، فذاك جزء من قوانين أبغض الممارسات الإنسانية، والاستهانة بها لا تساعد دائماً على ربح أشواط المعارك كافة.
حرص العاهل المغربي الملك محمد السادس على الإبقاء على صفحة حكمه في بياض ولاية العهد التي أبعدته عن أن يكون طرفاً في أي خلاف أو احتقان أو مواجهة، ومنذ الإشارات القوية التي أطلقها من خلال رفع الإقامة الجبرية عن مرشد «العدل والإحسان» الراحل عبد السلام ياسين وعودة المعارض أبراهام السرفاتي وإفراغ السجون من المعتقلين، بدا أنه يمضي قدماً في تنفيذ التزامات يقتنع بها ويعتبرها خياراً لا بديل منه. وإذا كان التمرس في الحكم يزيد متانة عبر حل المشاكل والتغلب على الصعوبات، فالثابت أن قناعاته باحترام قيم حقوق الإنسان لا يشوبها أي تأويل.
السؤال كيف يمكن الذهاب إلى أبعد الحدود في ترجمة هذه القناعة؟
“الحياة” اللندنية