الرئيسية / وجهات نظر / ثورة إصلاحيّة
خالد الحدّاد

ثورة إصلاحيّة

تُردّدُ بعض الاطراف أنّ الاوضاع الحالية في البلاد ستدفعُ الى اندلاع ثورة ثانية.لا شك في ان ازمات بلادنا متتالية ومتعاقبة وان الكثير من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية صعبة ولكن هل ستكون الثورة على المنظومة السياسيّة القائمة والدفع نحو الفراغ المؤسساتي كفيلين بتوفير الحلول ونقل البلاد الى واقع أفضل من الآن ؟.
لا أحد في تقديري سيكون قادرا على استشراف المآلات الممكنة للعودة الى مربع النقطة الصفر وتحمّل تبعات ما قد يقع لا قدّر الله.
لقد انتظرت البلاد وصبرت اكثر من خمسين سنة حتى تقيم ثورتها لاسقاط منظومة التسلط والاستبداد والظلم وقدمت في سببل ذلك المئات من الشهداء والتضحيات الجسام على مر الاجيال وتجنبت بلادنا الوقوع في مطب الفراغات وأتون فتن التقاتل والاحتراب وخطّت المرحلة التأسيسيّة، التي اعقبت سقوط نظام التسلط والحزب الواحد، مكاسب حضارية وتاريخية على المستوى السياسي بالمصادقة على دستور الجمهورية الثانية وانهاء معضلة الصراع على السلطة وتفادي الاحتراب والانقسام المجتمعي وتحقّقت مكاسب معنوية جمّة في التعددية الحزبيّة واطلاق الحريات وبداية تركيز مؤسسات الحكم الدائم والمستقر ومؤسسات الرقابة والتعديل ومقاومة الفساد والقضاء المستقل.
لقد كانت ثورة 14 جانفي استكمالا لنضالات سابقة ومسارات بناء وإصلاح متدرّجة ساهم فيها جيل الحركة الوطنية وجيل بناء دولة الاستقلال وكانت مفاهيم مواكبة روح العصر ومبادئ النهضة والتطوّر والحداثة حاضرة في أدبيات زعماء الاصلاح الثقافي والحضاري منذ نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين.
إنّ المرتهنين إلى أجندات إيديولوجيّة إقصائيّة واستبداديّة والَّذِينَ تدفعهم الحسابات الضيّقة إلى التفكير في أنّ ثورة ثانية قد تُحقّق مراميهم سيصطدمون بواقع مُغاير يرفضُ الذهاب بالبلاد والعباد الى المجهول ويحرصُ على استكمال تشييد معالم الجمهورية الثانية بعيدا عن أي مغامرات غير محسوبة العواقب.
لقد بقيت الثورة التونسيّة الشمعة المُضيئة في كامل المنطقة وهي في اتجاهها لتثبيت اركان تجربة رائدة وفريدة في الانتقال الديمقراطي وتثبيت اركان الحكم المدني العصري والحديث بعيدا عن الانقلابات والصراعات الدامية، ومن المهم في هذه اللحظة أن تستشعر النخبة في كل المواقع في السلطة وفي المعارضة وفي الحراك المجتمعي والنقابي خطورة تواصل التجاذبات السياسيّة والامعان في تقصي العيوب والبحث عن منافذ لتصفية الحسابات القريبة والبعيدة.
ومن الاكيد ان لقاء رئيس الجمهورية يوم أمس مع امين عام اتحاد الشغل حسين العباسي مؤشر على انفراج قريب ووعي بان السلم الاجتماعية جزء لا يتجزأ من منظومة الامن الشامل وشرط ضروري لاستكمال مسار الانتقال الديمقراطي وانطلاق التنمية الحقيقيّة في البلاد.
إنّ اللحظة تفترضُ استكمال المسارات الاصلاحيّة المختلفة والانكباب الجدي والفعلي على استحقاقات الثورة التنمويّة والاقتصاديّة في التشغيل وتحسين ظروف عيش المواطنين والإحساس المسؤول بمشاغلهم العميقة والمؤلمة والإحاطة بمؤسسات الانتاج والشروع في الاصلاحات الهيكليّة الكبرى في التعليم والثقافة واللامركزية والاهتمام بالجهات النائية والفئات الضعيفة والهشّة.

*صحفي تونسي/”الشروق”