الرئيسية / وجهات نظر / قضية الصحراء بين مشاريع الوحدة والانفصال
HAMI DINE

قضية الصحراء بين مشاريع الوحدة والانفصال

كما كان منتظرا، صادق مجلس الأمن على القرار رقم 2218 المتعلق بالنزاع حول قضية الصحراء المغربية بعد مشاورات ماراثونية دامت أسبوعين على أرضية التقرير السنوي الذي يعده الأمين العام للأمم المتحدة بناء على تقارير مبعوثه الخاص للمنطقة السيد كريستوفر روس..
القرار الأخير جدد التمديد لقوات حفظ السلام لمدة سنة، والتي تنحصر مهامها في مراقبة مدى التزام الطرفين بمقتضى وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ منذ1991…
كما جدد القرار الأخير التزامه بـ«دعم أي حل سياسي مقبول من جميع الأطراف في نزاع الصحراء» مجددا التأكيد على» نجاعة المبادرة المغربية للحكم الذاتي»، وداعيا الجزائر مجددا إلى «تسجيل ساكنة مخيمات تندوف».
الجزائر تتملص من إحصاء الصحراويين المقيمين فوق أراضيها لإخفاء الرقم الحقيقي لعدد اللاجئين المقيمين فوق أراضيها ولفسح المجال أمام قادة الجماعة الانفصالية للتلاعب بالمساعدات الدولية..
القرار جدد التأكيد على «نجاعة وصحة ومصداقية المقترح المغربي، الذي قدم للأمين العام للأمم المتحدة في 11 أبريل/نيسان 2007» مشيدا بـ»الجهود الجادة وذات المصداقية التي يبذلها المغرب من أجل التقدم نحو تسوية هذا النزاع».
مجلس الأمن لم يكتف بدعوة طرفي النزاع إلى التعاون مع منظمة الأمم المتحدة وإنما أكد على دعوة «الدول المجاورة إلى التعاون الكامل مع منظمة الأمم المتحدة ومع بعضها البعض، والانخراط بعزم من أجل وضع حد للمأزق الحالي والتقدم نحو حل سياسي».. وهو ما يعكس البعد الإقليمي للنزاع وتورط الجزائر في دعم حركة انفصالية بأسباب الحياة لاعتبارات نفسية تاريخية منذ عقدة حرب الرمال سنة 1963..
مجلس الأمن نبه الدول المجاورة إلى أن من شأن «التوصل إلى حل سياسي لهذا النزاع الذي طال أمده، وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في اتحاد المغرب العربي، أن يساهم في تحقيق الاستقرار والأمن بالمنطقة». وهو ما يؤكد العلاقة الموجودة بين استمرار هذا النزاع وبين تمدد بعض البؤر الإرهابية في المنطقة…
عمليا، يبسط المغرب سيادته على الأرض من الناحية الإدارية والسياسية، ولذلك فقد ظل يرفض باستمرار محاولات توسيع مهام المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في المنطقة، والتي لم تعد ذات اهتمام يذكر في قرارات مجلس الأمن، رغم الحملات المتواصلة التي شنتها منظمات أمريكية داعمة لأطروحة الانفصال، ورغم أن الأمين العام للأمم المتحدة سبق له في تقرير سابق مقدم إلى مجلس الأمن أن تضمن توصية تؤكد على «أنه بالنظر إلى التقارير المتواصلة حول انتهاكات حقوق الإنسان فإن الحاجة إلى رصد مستقل وحيادي وشامل ومستمر لحالة حقوق الإنسان في كل من الصحراء الغربية والمخيمات تصبح أكثر إلحاحا»..
من المؤكد أن جهود المغرب لخدمة حقوق الإنسان في المناطق الجنوبية أصبحت واضحة، لكن من المؤكد أيضا أن هناك صعوبات حقيقية مرتبطة ببعض العقليات السلطوية وببعض البنيات القبلية لازالت تمثل عرقلة حقيقية أمام بعض الآليات الميدانية لترسيخ ثقافة حقوق الإنسان..
ومع ذلك، ليس هناك خيار أمام المغرب سوى الاستمرار في تطوير منظومة حقوق الإنسان سواء على مستوى التشريعات أو على مستوى الآليات الوقائية والحمائية أو على مستوى التفاعل مع الآليات الأممية، لكن بالموازاة مع ذلك لابد من بذل مجهود سياسي على الأرض وامتلاك إستراتيجية عميقة لكسب قلوب الناس في الصحراء..
لا يمكن التفريط في الوحدة الوطنية، نعم، لكن الأهم هو كسب الإنسان وبناء الثقة الضرورية في العلاقة معه.. إن احترام حقوق الإنسان من واجبات الدولة الأساسية، ووحدة الوطن من أوجب الواجبات وأقدسها أيضا ومن هنا فإن المزيد من ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان والإعلاء من سمو القانون والقطع التدريجي مع ثقافة الريع والمحاباة، من شأنه أن يؤسس ثقافة جديدة في المنطقة، وحدها قادرة على استيعاب الأجيال الجديدة في الصحراء..
لابد من تشجيع جميع المبادرات الحوارية على الأرض ولاسيما مع ما يطلق عليهم بانفصاليي الداخل، قائم على الإنصات بالدرجة الأولى، الإنصات لكل صوت صحراوي حر والعمل على بناء الثقة بواسطة شخصيات تتمتع بالمصداقية الضرورية..
القدرة على الإنصات هي التي ستنير لنا الرؤية وستمنحنا القدرة على الإقناع، مع الاعتراف الضروري بالأخطاء التي ارتكبت تاريخيا في المنطقة..
الإقناع بأن دعوات الانفصال لا مستقبل لها وهي تخدم مشاريع التجزئة والانفصال في العالم العربي وبأن أطروحة الانفصال لا تتوفر على مرتكزات سياسية وواقعية مقنعة، ولكنها تتأسس على أخطاء المغرب المرتكبة في تدبير هذا الملف..النزعات الانفصالية الموجودة في قلب المدن المغربية في الجنوب، معظمها تعبير عن ردود فعل نفسية من طرف عائلات سبق أن تعرض بعض أفرادها لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.. أو خيارا ابتزازيا تجاه المغرب طمعا في الريع الاقتصادي الذي نهجه المغرب اتجاه العائدين…
إن المجهود الأكبر الذي ينبغي أن يبذل من طرف الجميع هو ضرورة التحسيس بجذور المشكلة وبالأطراف الفاعلة في هذا النزاع، وعدم نسيان الحقيقة التاريخية المتمثلة في أن القضية من مخلفات المرحلة الاستعمارية وهي امتداد بشكل أو بآخر للحرب الباردة في زمن القطبية الثنائية، وبأن تأثير بعض الأطراف الدولية في النزاع لازال مستمرا وفق ما يخدم مصالحها الإستراتيجية بالدرجة الأولى، وما يخدم مشاريع التجزئة والتفكك ضدا على مشاريع الوحدة والنهوض…

٭ كاتب من المغرب/”القدس العربي”