الرئيسية / وجهات نظر / رهانات الاستقرار في ليبيا
د . إدريس لكريني

رهانات الاستقرار في ليبيا

انطلقت أخيراً جولات من الحوار الليبي في المغرب والجزائر، بإشراف من الأمم المتحدة، ودعم عدد من الدول الغربية، في ظروف عسكرية ملتهبة تعيشها ليبيا التي أضحت في الواقع منقسمة بين سلطتين تدّعيان شرعيتهما على حكم البلاد.
وفي الوقت الذي دعا فيه المؤتمر الوطني العام إعمال مفاوضات مباشرة، ظلت مجموعة من القوى الأخرى ترفض الجلوس على مائدة حوار واحدة.
وفيما يتوجه البعض إلى دعم شرعية البرلمان، بعدما قامت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس بليبيا في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2014 ببطلان انتخابات مجلس النواب الذي رفض بدوره هذا القرار، يتجه فيه آخرون إلى إحداث مجلس عسكري أعلى يدير المرحلة .
وهناك الكثير من الأولويات المطروحة أمام هذا الحوار الذي تشارك فيه مختلف الأطياف السياسية، في علاقة ذلك بتحديد مبادئ يقوم عليها اختيار حكومة وطنية تدبر المرحلة الانتقالية، واعتماد تدابير أمنية تدعم الاستقرار وبناء الثقة، ثم الانكباب على صياغة دستور جديد وتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية والانكباب على بناء المؤسسات.
ورغم أن الأمور وصلت إلى حد لا يطاق من العنف وعدم الاستقرار، فإن مختلف الأطراف الليبية مازالت متشبثة بمواقفها، بما يبرز أن مسار التفاوض لن يكون سهلاً.
لقد وصل الوضع في ليبيا إلى مستوى خطر من التعقيد، فما زالت هناك مجموعة من الإشكالات المطروحة التي تعرقل مسار التحوّل في البلاد، على مستوى ضعف التماسك الاجتماعي وهشاشة المجتمع المدني الوليد وغياب أحزاب سياسية، ثم هناك التهافت الدولي على توجيه الأحداث خدمة لمصالح خاصة، بالنظر إلى الثروات النفطية بالبلاد، إضافة إلى التسرب الواسع للسلاح إلى عدد من الجماعات والميليشيات، وتصاعد المدّ القبلي، علاوة على تركة النظام السابق، من حيث وجود حالة فراغ مؤسساتي.
وهي وضعية تجعل من اعتماد الخيار التفاوضي كسبيل لتسوية الصراعات والمنازعات المعقدة أمراً ضرورياً وحيوياً في هذه المرحلة التي وصلت فيها الأوضاع الداخلية إلى حد لا يطاق على مختلف الواجهات، أضحت معها البلاد فضاء لانتعاش الكثير من الجماعات المسلحة والمخاطر التي تشكل تهديداً حقيقياً لأمن المنطقة بل وللسلم والأمن الدوليين.
يعد انطلاق المفاوضات تحت إشراف أممي، رغم الارتباكات التي رافقتها من حيث تباين وجهات النظر، والتفاوض عبر الوساطة الأممية واختلاف الأولويات، أمراً مهماً يعكس اقتناع الأطراف المتصارعة بضرورة تجاوز المشكلات القائمة التي تفوّت على بلد له كل مقومات الإقلاع، فرصة التطور وترسيخ الاستقرار.
الخيار التفاوضي الليبي يحتاج في المرحلة الراهنة إلى حسن نية الأطراف المتصارعة وتركيزها على المشترك والأولويات المطروحة باتجاه تشكيل حكومة وطنية، وتعزيز الأمن والاستقرار والانكباب على بناء المؤسسات الدستورية واستثمار الإمكانات المتاحة لتحقيق التنمية وتجاوز المعضلات المتراكمة . كما يظل بحاجة إلى محيط إقليمي داعم، يستحضر المصالح الاستراتيجية للمنطقة، لأن استقرار المنطقة رهين باستقرار ليبيا.
لذلك فالمفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة إذا ما تم التعاطي معها بحسن نية وباستحضار المصالح الاستراتيجية للمنطقة، وبغض النظر عن الفضاء الذي يحتضنها، لا يمكن إلا أن تكون في صالح تحسين الأوضاع السياسية لليبيا وتجاوز المعضلات القائمة . وتقطع الطريق على إعمال خيارات قد تكون تبعاتها على المنطقة أخطر .
اعتبر المبعوث الأممي أن الأمر يتعلق بفرصة مهمة ينبغي استثمارها، خصوصاً وأن الأوضاع الليبية المتدهورة أصلاً، يمكن أن تتجه نحو الأسوأ.
إن التوصل إلى حلّ يدعم الاستقرار في ليبيا، أصبح مطلباً ملحّاً، تمليه عوامل داخلية مرتبطة بتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، وتنامي مطالب الليبيين أنفسهم بتجاوز حالة الانتظار وعدم الاستقرار القائمة.
لن تكون كلفة استمرار التوتر في ليبيا باهظة بالنسبة لهذه الأخيرة ومواطنيها فقط، بل إن تداعيات خطرة ستلقي بظلالها القاتمة على المنطقة برمتها، وعلى السلم والأمن الدوليين أيضاً.
فقد أكدت الممارسة الدولية أن مناطق التوتر والأزمات وما يحيط بها من ضعف الدولة المركزية، غالباً ما تشكل عامل جذب وانتعاش لكثير من المشاكل والتهديدات في علاقتها بتنامي الجماعات المسلحة وعصابات التهريب . . وهو ما يؤكده تمركز العديد من التنظيمات المتطرفة حالياً في ليبيا، إضافة إلى استغلال الهشاشة الأمنية على الحدود من قبل وسطاء الهجرة السرية.
ومن هذا المنطلق، فتعزيز الاستقرار ودعم التحول الديمقراطي في ليبيا، هو رهان داخلي بالدرجة الأولى، سيسمح حتماً بالاستفادة من حجم التضحيات التي كابدها الليبيون على امتداد أكثر من ثلاث سنوات بعد سقوط نظام القذافي، والانكباب على بناء المؤسسات السياسية والدستورية واستثمار الإمكانات المختلفة التي تزخر بها البلاد على طريق تحقيق التنمية.
كما أن استقرار المنطقة المغاربية، وكسب رهان بناء تكتل مغاربي متكامل وواعد، قادر على مواجهة التحديات التي يفرضها المحيط الإقليمي والدولي في أبعادها الاقتصادية والاستراتيجية، لن يتأتى إلا باستقرار ليبيا . وهو ما ينبغي أن تستحضره دول المنطقة، في جميع مبادراتها ومساعيها الرامية لنزع فتيل الصراع القائم، وتوفير الشروط الداعمة لنجاح الحوار الليبي بعيداً عن أي خلفيات أو اعتبارات مصلحية ضيقة.
وبالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لليبيا، فإن دعم الاستقرار في هذه الأخيرة، سيوفر محيطاً آمناً لدول الضفة الشمالية من المتوسط التي أصبحت تعاني تزايد حدة الهجرة السرية إليها، تحت وطأة تدهور الأوضاع في عدد البلدان الإفريقية ودول الحراك العربي، وهشاشة الحماية الأمنية للحدود الليبية براً وبحراً.
إن بلورة حوار ليبي بنّاء مدعوم إقليمياً، سيسمح بمراكمة مبادرات ستسمح بتجاوز التصورات التشاؤمية التي حاولت ربط الحراك القائم بالاستلاب الأمني والتطرف والعنف والاستقطاب المجتمعي. . كما ستمنع حتماً انحدار الأمور نحو الأسوأ، وتحول دون أي تدخل دولي قد يزج بالمنطقة برمتها في متاهات جديدة من الصراع والعنف.
* باحث أكاديمي من المغرب/”الخليج”