الرئيسية / وجهات نظر / عن أوباما ليبيا، حدث ولا حرج!
أحمد الفيتوري

عن أوباما ليبيا، حدث ولا حرج!

كنت في القاهرة يوم 25 يناير 2011م، وسكنت في مصر الجديدة حيث قيادة الجيش المصري، وسكنت قبالة معرض الكتاب سبب تواجدي ساعتها بالقاهرة، وخرج شعب مصر للمرة الأولي في التاريخ وملأ الشوارع واجتاحت الدنيا أخبار تمرده على السلطة، ومما شدني صورة لأوباما في البيت الأبيض ومعه مسئولو إدارته يتابعون جميعا الصور الحية من ميدان التحرير القاهري الثائر، ثم عقب ذلك جاء تصريح لافت لاوباما: على مبارك أن يتنحى أمس.
عدت إلى بنغازي يوم 10 فبراير لأتابع عبر التلفزيون إعلان تنحي مبارك، بعدها بأيام انخرطت في ثورة عربية ثالثة– حيث كما نعلم اندلعت الثورة في تونس قبل-في ساحة المحكمة ببنغازي، التي بدورها تحولت إلى مدينة أوباما من ركز الاهتمام بثورتها، فصدور قرار مجلس الأمن 1973 والقاضي بالتدخل العسكري لحماية المدنيين الليبيين، لقد غدت بنغازي المدينة الليبية مدينة أوباما حتى مقتل سفيره في ليبيا فيها، فكانت بذلك بنغازي المدينة الليبية من أيقونات التنافس الانتخابي الرئاسي الأمريكي التي تكللت بفوز أوباما بالدورة الرئاسية الثانية.
وبين ساعة وضحاها لم تعد بنغازي، وبالتالي ليبيا ومصر قبل، تلقى أي اهتمام من أوباما ولا من إدارته، كأنما الربيع العربي، كما كنيت الثورات في المنطقة من قبل الإعلام الغربي، لم تكن أو أن ما حدث– عند إدارة أوباما– أضغاث أحلام، وكأنما مبارك لم يتنح حتى الغد، وكأنما أوباما عاد من الربيع العربي بخفي حنين فأعطاه بظهره.
لكن للإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط شئونًا منذ جاء من يسعى بالنبأ: البترول في بلاد العرب، أو كما يسموننا، البترول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
في المشرق العربي عادت الولايات المتحدة بدواعٍ داعيشية وتحالف دولي، وأما في الشمال الأفريقي وفيما يخص ليبيا بالذات فقد نزل الوحي على أوباما بغتة فصرح: «هناك حاجة لحل سياسي في ليبيا، الغنية بالنفط المطلة على البحر المتوسط، وقال أوباما: سيتعين علينا أن نشجع بعض الدول داخل الخليج التي أعتقد أن لها نفوذا على الفصائل المختلفة داخل ليبيا حتى تصبح أكثر تعاونا، وأضاف: في بعض الحالات شهدناها تؤجج نيران الصراع العسكري بدلا من محاولة تهدئتها”.
كيف جاء أن خطرت ليبيا على بال أوباما، وما يبتغي من هكذا تصريح لقي في المنطقة وليبيا غلق الآذان والعيون والفم أيضا؟، وكأنما أوباما ليس أوباما وأن ليبيا خارج التغطية، وأن إيطاليا– التي صرح أوباما تصريحه هذا أثناء زيارة رئيس وزرائها ماتيو رينتسي للولايات المتحدة– ليست الدولة الأولي في العالم المتضررة مما يحدث في ليبيا كما يظهر وحتى الآن.
هذا التصريح يعيد أوباما إلى رقعة الشطرنج وإن بعد غياب بكشة ملك، وإن بدأ كما صياح في واد، وبالتوكيد أن مناسبة الوحي هذا لم تغب عن أحد:
أولاً: ماتيو رينتسي ليس أي زائر.
ثانيًا: التوقيت يجيء مع غزوات تجتاح البحر المتوسط ما أعيد صبغ بياضه بالدم، والهدف لمبيدوزا الجزيرة الإيطالية الشاطئ الرابع لليبيا.
ثالثًا: الولايات المتحدة اللاعب الأول في لعبة الحرب والسياسة في ليبيا، منذ احتلالها لطرابلس الغرب في الحرب الثانية عام 1943م وبزوغ النفط في البلاد، وإيطاليا التي خسرت الحرب لم تخسر النفوذ ما أخر خبره ما عقد بين بريلسكوني والقذافي قبيل ثورة فبراير.
رابعًا: لعبة الحرب والحوار في ليبيا في أوجها، وزعماء اللعبة في أوج تمظهر حالهم كلا غالب ولا مغلوب، والكيلُ فاض بهم جميعا، مع ظهور لاعبين جدد ما يدعى داعش وعودة تجار العبيد بقوافلهم إلى إيالة طرابلس.
خامسًا: أنصار الله في اليمن «الحوثيون» جلبت ريحهم حربًا إقليمية في باب الخليج العربي الفارسي!، والأنصار في ليبيا «الإخوان» جلبوا حرب المهاجرين على الشواطئ الليبية، مما يعني في تقديري أن الزمام انفلت من السي آي إى وبقية مخابرات الغرب، وميل كفة ميزان الكي جي بي «بوتن» في المنطقة ومن رياح سمومه عودة السلاح الروسي إلى المنطقة.
سادسًا: تداخل الحروب الدينية والمذهبية البترولية والسلاح وسلاح المهاجرين وحرب المعلومات، كل هذا جعل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يدخلان في نفق ليس بمكنة أحد ضبطه، زاد ذلك غموض الاتفاق الأمريكي الإيراني والموقف الإسرائيلي منه.
سابعًا وأولاً مرة ثانية: مما جاء في تصريح أوباما: «سيتعين علينا أن نشجع بعض الدول داخل الخليج التي أعتقد أن لها نفوذا على الفصائل المختلفة داخل ليبيا حتى تصبح أكثر تعاونا، وأضاف: في بعض الحالات شهدناها تؤجج نيران الصراع العسكري بدلا من محاولة تهدئتها.»، ولم يذكر تركيا البتة رغم توكيد أخبار ليبية رسمية وأخبار عالمية على تدخلها في الشأن الليبي وكأن تركيا تقوم بدور خليجي، وأوباما لأول مرة يذكر أن ثمة تدخلا في الشأن الليبي، وهو بطلبه دول الخليج بالانسحاب من الشأن الليبي يرى أن ذلك من مسائل حل المسألة الليبية الملح والتصريح يوكد ذلك، في الحين ذاته كان قدم دعمه للتدخل الخليجي في اليمن.
أخيرًا وليس آخرًا، ليبيا الدولة الوحيدة في هذا كله، من أدخلت في هذا كله بقرارات مجلس الأمن وبوفاق دولي وعربي، وهي الساحة الأقل تعقيدًا في هذه اللحظة الاستثنائية وفي المنطقة، وكما أنهيت مسألة نظام القذافي بالطائرات فإن إنهاء المسألة مرة ثانية يمكن أن يكون شعارها: داوني بالتي هي الداء، أي عودة لذات السبيل، وإن جاء تصريح أوباما بالعكس حيث أكد أوباما: «أن أي عمل عسكري خارجي لن يكون كافيا للمساعدة في تخفيف التوترات في هذا البلد الذي تمزقه الحرب، وأشار إلى أنه لا يمكن إنهاء الأزمة في ليبيا بـبضع ضربات بطائرات من دون طيار أو عمليات عسكرية قليلة».
بعد غياب بين يدخل أوباما في الشأن الليبي مباشرة بتصريح صريح العبارة عالي النبرة بمفردات جلية، وما يلفت النظر أن المناسبة جعلت الشأن الليبي كما شأناً إيطالياً، وهذا بينه صيغة التحذير التي يشي بها تصريح أوباما الذي كما لو استعاد روح عبارته في فبراير 2011م: على مبارك أن يتنحى أمس، فهل يوكد التصريح المبادرة ما فات شرحه أم أن أوباما في حالة توديع يطلق العبارات على عواهنها؟، ستزودنا الأيام بما لم يزودنا به التأويل.

*صحفي وكاتب ليبي/”بوابة الوسط”