الرئيسية / وجهات نظر / نظام بوتفليقة وابتذال الثقافة
AZRAJE OMAR

نظام بوتفليقة وابتذال الثقافة

في الكلمة التي وجهها هذا الأسبوع الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة إلى الشعب الجزائري، بمناسبة افتتاح تظاهرة “قسنطينة عاصمة للثقافة العربية” وقرأها بالنيابة عنه مستشاره محمد بن عمر زرهوني، اعتبر فيها الثقافة على أنها “قوام الأمة والإسمنت الذي يرص بنيان وحدتنا، وهو ما يستدعي تعزيزها لضمان الأمن الثقافي في خضم العولمة الجارفة وتوفير أسباب مناعة تعصم شبابنا من أن يكون فريسة للتطرف الديني والتعصب المذهبي مع الابتعاد عن النعرات والفتن”.
ودعا المثقفين والمفكرين والعلماء إلى أن “يعملوا ما استطاعوا على نشر ثقافة الاعتدال والتنوير لتكون درءا وحصنا منيعا في وجه دعاة الجهالة والظلامية”. وأكد أن “الجزائر تسعى من خلال سياستها الثقافية إلى صون ذاكرة الأمة”، ومن جهة أخرى ردد بوتفليقة أن الجزائر تهدف “من خلال تبنيها لسياسة ثقافية هادفة إلى تربية ذوق أبنائنا وتنمي قدراتهم الإبداعية وتساير العصر دون التنكر لماضينا”، ولذلك “يستوجب العمل على صون ذاكرة الأمة وترقية التراث الثقافي الوطني وهو ما تسعى إليه الجزائر من خلال السياسة الثقافية التي انتهجتها”، لتجسيد “الوفاء لقيمنا ولثوابتنا” الأمر الذي “يملي علينا واجب العمل من أجل صون ذاكرة الأمة وتثمين مآثرها وأمجادها وترقية التراث الثقافي الوطني بكل مكوناته وتنوعه وبرموزه وبعبقرية أبنائنا المبدعين”.
من يقرأ هذه العبارات والشعارات يدرك أن الثقافي هو السياسي بالمعنى المبتذل للسياسة في الجزائر، وسيظن أيضا أن النظام الجزائري، الذي يمثل الرئيس بوتفليقة واجهته، يملك فعلا سياسة ثقافية متطورة وواضحة المعالم ومسطرة الأهداف، وأنه يسعى حقا إلى صون الذاكرة الوطنية، أو أنه يعمل على ترقية التراث الثقافي الوطني، وقد يتخيل أن علاقة هذا النظام بالمثقفين هي علاقة صحية مؤسسة على التكامل والتعاون ومبادئ الحرية الفكرية والإبداعية.
وفي الواقع فإن النظام الجزائري لا يملك أي سياسة ثقافية أو مشروعا ثقافيا خارج أقفاص الدكتاتورية وتسلط رئيس الدولة وجماعته. وهنا نتساءل أين هي هذه السياسة الثقافية التي يتحدث عنها الرئيس بوتفليقة؟ هل هي هذه المهرجانات الاستعجالية التي تطغى عليها الرداءة، والنزعة الفلكلورية الساذجة والبدائية، أم هي هذه التظاهرات الشكلية المرتجلة التي لم تثمر إلى يومنا هذا شيئا يذكر، ولم يحدث في ظلها أي بناء فكري وثقافي وفني ملموس على المستوى الوطني أو إشعاع يمتد إلى المستوى المغاربي أو العربي أو الدولي. وهل السياسة الثقافية هي هذا الانغلاق الثقافي الجزائري الكامل على المحيط الثقافي المجاور على مستوى المنطقة المغاربية، وامتداداته على المستوى الأفريقي والعربي والأوروبي؟
وفي الحقيقة فإن الجزائر في ظل حكم هذا النظام تعيش أزمة ثقافية خانقة، وفراغا هائلا ومرعبا، وفضلا عن هذا فإن دعوة هذا الرئيس الجزائري إلى صون الذاكرة يتناقض كليا مع الممارسات اليومية التي يسلكها نظامه الحاكم والدليل على ذلك إهمال التراث الثقافي الجزائري بكل تنوعاته، وعدم إخراجه من أدراج النسيان، أما تطوير عناصره القابلة للحياة فأمر غير وارد بالمرة.
كيف يمكن خلق مناخ فكري وثقافي يساعد على النهوض بمكونات هذه الذاكرة في الوقت الذي تسند فيه مسؤوليات الشأن الثقافي والفكري لشلل لا علاقة لها بالثقافة، سواء على مستوى وزارة الثقافة أو على مستوى وزارتي التعليم الابتدائي والثانوي والعالي بكل أنماطه.
وأكثر من ذلك فإن حال الثقافة العربية والثقافة الأمازيغية يرثى له، حيث تعانيان على يد هذا النظام الحاكم من التفقير والإضعاف بل الطمس المنهجي. إن وضع الثقافة والفكر والفن في الجزائر سيئ الحظ ولم يأت من عدم، بل هو نتيجة لتراكمات معقدة لأن النظام الجزائري الحالي هو وريث حركة التحرر الوطني التي تميزت تاريخيا بنزعة تغليب السياسي والعسكري على البعدين الثقافي والفكري، والدليل على ذلك هو التصفية الجسدية لعدد من العناصر المثقفة الجزائرية المهمة، أو تهميش بعضها وإقصائها وإبعادها عن مراكز القرار السياسي.
وبالفعل فإن الاستقلال الجزائري قد دشن باستيلاء حملة البنادق وأصحاب الرتب العليا في الجهازين العسكري والأمني على مختلف مؤسسات الدولة الجزائرية الناشئة، وتحويل “كمشة” ممن يدعون بالمثقفين التابعين للسلطة إلى كتبة للخطب التي تملى عليهم مضامينها من طرف المنظومة الأمنية والعسكرية.
وهكذا لم يسلم من الإذعان للنظام الحاكم أغلب المحسوبين على المثقفين في الجزائر المعاصرة منهم على سبيل المثال فقط أحمد طالب الإبراهيمي، ومصطفى الأشرف في حقبة الرئيس هواري بومدين، وعبدالمجيد مزيان في مرحلة الشاذلي بن جديد، وعبدالقادر جغلول الذي كان محسوبا على التيار اليساري ثم استسلم وركن للصمت عندما أصبح مستشارا للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.
إن الوضع الجزائري يتميز سلبيا بلي أذرع المثقفين تارة، واستقطاب وترويض بعضهم بالإغراء بالمناصب ومن ثم إدماجهم في دواليب منظومة السلطة حينا، وإقصاء الرافضين تارة أخرى، وكثيرا ما تتم هذه العملية المخطط لها بإحكام على نحو متزامن.
إن مثل هذه المعاملة للمثقفين من طرف النظام الجزائري ماضيا وحاضرا هي السمة الجوهرية والدائمة التي تطبع الواقع الجزائري، ويلخص الناقد البارز إدوارد سعيد هذه السمة في معرض تحليله للأزمة الثقافية الجزائرية وخلال حديثه عما كان سيؤول إليه موقف المفكر فرانز فانون، الذي ارتبط بحركة التحرر الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، من النظام الجزائري لو لم يحصده الموت قبل حصول الجزائر على استقلالها قائلا “لدي إحساس أن فانون لو عايش السنوات الأولى للدولة الجزائرية لكان موقفه سيبدو شديد التعقيد، ولا أظن أنه سيبقى هناك. ربما كان سيغادر إلى مكان آخر، فما حدث للكثيرين من مناضلي جبهة التحرير الوطني الجزائرية أنهم أصبحوا موظفين في جهاز الدولة الذي لم تطلع منه، عامة، طبقة من المثقفين تحافظ على مسافة نقدية من الدولة.
إن من بين الأمور المقلقة بالنسبة للتضامن هي أنك قد تصبح سجين خطابك عن التضامن والسهولة التي تنزلق فيها ضمن خطاب السلطة”. ويبرز إدوارد سعيد مأساة مثقفي الجزائر هكذا “جاء فانون من طبقة مناضلين أصبحوا فيما بعد منفذين لسلطة الدولة وأدوات بيدها”.
كيف يمكن للرئيس بوتفليقة أن يدعو المثقفين ومن يسميهم بالعلماء وبالمفكرين إلى العمل على نشر ثقافة الاعتدال والتصدي للعولمة في الوقت الذي فكك فيه النظام الجزائري اتحاد الكتاب الجزائريين وحوله إلى جمعية ثقافية مجهرية مشلولة ومجهضة، وفي الوقت الذي أسند مسؤوليات ما يسمى بالمجالس العليا ذات الطابع الثقافي أو اللغوي أو الديني إلى جوقة من أتباعه ومريديه الذين ينفذون تعليماته ويؤتمرون بأوامره التي تجفف الروح الإبداعية، وتكبل الحرية الفكرية والسياسية؟ ثم كيف يطالب النظام الجزائري المثقفين بالتصدي للعولمة في طبعتها الرأسمالية المتوحشة وهو عرابها وحارسها الأمين؟

*كاتب جزائري/”العرب”