الرئيسية / وجهات نظر / الحكومة التونسية الجديدة والمسألة الاجتماعية
مصطفى القلعي

الحكومة التونسية الجديدة والمسألة الاجتماعية

مطلع فبراير 2015، قال رئيس الحكومة التونسيّة الجديدة المنبثقة عن انتخابات موفّى 2014، الحبيب الصيد، إنّ حكومته ستنفّذ برنامج حزب نداء تونس باعتباره الحزب الفائز بأغلبيّة المقاعد في مجلس نوّاب الشعب. وهو الحزب الذي اختار الحبيب الصيد لرئاسة حكومته وكلّفه بتشكيلها. بقي أنه لا بد من التذكير بأن البرنامج الانتخابي لأي حزب سياسي حين يطرحه أمام المواطنين، يصبح بمثابة الميثاق الأخلاقي الملزم له تجاه جمهور الناخبين.
إن البرامج الانتخابية توضع وتلقى على الناخبين لإقناعهم بها واستمالتهم وكسب ثقتهم وأصواتهم. وهذا يتنافى مع من يؤمن بما قاله الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك “الوعود الانتخابية لا يصدقها غير الناخبين”. ماذا في البرنامج الاجتماعي لنداء تونس الذي أقنع به الناخبين؟ وكيف تلوح ملامح العلاقة بين حكومة نداء تونس وبين الاتحاد العام التونسي للشغل، الشريك الاجتماعي الأكبر في تونس؟ وكيف تتعاطى الحكومة الجديدة مع المسألة الاجتماعية؟
البرنامج الاقتصادي والاجتماعي لنداء تونس مليء بالشعارات البرّاقة وبالوعود الكبيرة. فقد حرص الحزب على أن يعرّف نفسه في برنامجه الانتخابي، الاقتصادي والاجتماعي، بكونه “حركة سياسية ذات الروح الوطنية الشعبية والتوجه الاجتماعي الديمقراطي”. وليس هذا تعريفا هيّنا، ولا أعتقد أنّ واضعيه غفلوا عن دلالاته وعن الالتزامات التي يطرحها على حزبهم.
ولكن الحزب وهو في الحكم بعيد عن صبغته الاجتماعية. فبعد ثلاثة أشهر من تولي الحكومة مهامها، لم تفلح في التقاطع الأدنى مع الاتحاد العام التونسي للشغل. وبقيت المسافة بين الطرحيْن، الحكومي والنقابي، حول المسألة الاجتماعية متباعدة.
ففي الوقت الذي وعد فيه نداء تونس في برنامجه “بإصلاح جذري للجباية وبإرساء العدالة الجبائية”، يقول اتحاد الشغل إن الحكومة ما زالت عاجزة عن استرجاع 9000 مليار (حوالي 4500 مليون دولار) كديون جبائية. هذا العجز أوقع الحكومة في مشكلة سيولة دائمة جعلها تلتجئ، في كل مرة، إلى الاقتراض بنسب فائدة متفاوتة بعضها اعتبره نواب المعارضة يهدد استقلال القرار الوطني مثل القرض الأوروبي الأخير. ولم تجد بعد الحكومة التونسية الجديدة الجرأة الكافية لاستخلاص ديون الشعب التونسي المتخلدة بذمة مواطنين يرفضون تسديد ما عليهم، بحكم امتلاكهم لشبكة من العلاقات مشبوهة، تيسّر لهم إمكانية سرقة المال العام.
في السياق ذاته، نلاحظ أن فجوة التفاوت الطبقي الناتجة عن التفاوت الكبير في توزيع الثروة ما زالت تتمدد، إذ أن الإحصائيات الأخيرة كشفت أن 20 بالمئة من التونسيين يستفيدون من 80 بالمئة من الثروة وأن الـ80 بالمئة المتبقين الذين لا يستفيدون إلا من 20 بالمئة من الثروة يدفعون 80 بالمئة من الموارد الجبائية للدولة. وهذا يعني أن الطبقات المتوسطة التي تضمن استقرار المجتمع تآكلت والتحقت بالطبقة الفقيرة، ومع ذلك لم يخِفّ استنزافها جبائيا واستهلاكها ماديا.
وفي الوقت الذي يقر فيه البرنامج الاقتصادي والاجتماعي لنداء تونس بأن “إصلاح أنظمة الحماية الاجتماعية يعود بالأساس إلى نقابات الأجراء ونقابات الأعراف باعتبارها المعنية مباشرة بالمساهمات وبخدمات الحيطة الاجتماعية”، تتعالى أصوات التخوين للعمل النقابي، بعد أن كان نداء تونس يردد أن اتحاد الشغل هو صمام أمان تونس ومكاسبها المدنية.
كما تحدث البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للحزب الحاكم عن “تحقيق الأمن الغذائي” وعن “تحسين ظروف عيش الفلاحين”، ولكن واقع الفلاحين في تونس لم يتغير إلى حد الآن لا تشريعيا ولا إستراتيجيا. وظل الفلاح التونسي يصارع المخاطر والكوارث الطبيعية كما حصل مؤخرا في مناطق الشمال الغربي إثر الفيضانات. ولم تتغير وضعية الأراضي الدولية المعقدة أصلا. ويبدو أن نوايا التسويات العقارية اصطدمت بمعيقات إدارية وقبلية وعرفية أربكت الحزب الحاكم وحكومته، نظرا لرؤية الاستسهال التي نُظر بها إلى هذه المشكلة.
وعود أخرى وعد بها حزب نداء تونس ناخبيه كــ“تحسين القدرة الشرائيّة للمواطن” و“مقاومة الفقر والخصاصة” و”توفير التغطية الصحية للجميع″ و”توفير السكن للجميع″ أيضا. ولكن، على العكس من ذلك، ما يراه التونسيون على الأرض هو توسّع ظاهرة التشرد والتسول في شوارع المدن الكبرى. ويشعر التونسيون بإفلات التحكم في الأسعار من يد حكومتهم، وبعجزها عن التحكم في مسالك التوزيع، حتى أن الأسواق التونسية ظلت رهينة بيد المحتكرين.
كما أن الحكومة التونسية الجديدة لم تقدر، بعد، على وضع استراتيجية وطنية ناجعة لمقاومة التهريب، مما جعل مشاكل المهنيين والصناعيين التونسيين والمستثمرين الأجانب في تونس تتفاقم، الشيء الذي يهدد العمالة التونسية بخسران مواطن رزقها. وبعض الشبكات التي نجح الأمن التونسي في الكشف عنها متخصصة في تبديد العملة الأجنبية وإهدار الثروة بإدخالها مواد خطيرة وممنوعة إلى التراب التونسي، مثل المفرقعات والمنشطات والمخدرات والحلويات والمسكرات والأدوية الجنيسة المغشوشة.
مع كل هذا، ورثت الحكومة الجديدة ملفات اجتماعية شائكة ما زالت تتعامل معها بسطحية لا سيما مشكلة البطالة والإضرابات الاحتجاجية. والظاهرة التي بدأت تتفاقم بشكل لافت هي إضرابات الجوع الوحشية التي يخوضها العاطلون عن العمل من أصحاب الشهائد العليا في مختلف الجهات التونسية. ومن المشاكل الموروثة من قبل الحكومة الجديدة مشكلة قدماء الاتحاد العام لطلبة تونس المفروزين أمنيا، أي الذين منعوا من العمل بسبب نشاطهم السياسي والنقابي في الجامعة. فالحكومات المتعاقبة بعد الثورة تجاهلتهم، إذ تجنبت حكومة المهدي جمعة هذه المشكلة، في حين أنّ حكومتي الترويكا انشغلتا بتوظيف أبناء الاتجاه الإسلامي في الإدارة وفي القطاع العام، وتفضيلهم على غيرهم من التونسيين الذين تعرضوا للاضطهاد بسبب مواقفهم الفكرية وآرائهم وانتماءاتهم السياسية.
المسافة بين الوعود الانتخابية وبين المنجز الحكومي ما زالت بعيدة. ولن يكون بمقدار نداء تونس أن يتخلى عن وعوده الانتخابية، ولا عن صفته التي وصف بها نفسه أي الصفة الاجتماعية الديمقراطية. فلا عدالة اجتماعية بلا عدالة جبائية. ولا ديمقراطية بلا عدالة اجتماعية.

*كاتب وباحث سياسي من تونس/”العرب”