الرئيسية / وجهات نظر / الحركة الطلابية في تونس.. عراقة التاريخ وفوضى الحاضر
سمير حمدي

الحركة الطلابية في تونس.. عراقة التاريخ وفوضى الحاضر

نظرياً، وجود طلبة مهما كان عددهم لا يعني، بالضرورة، وجود حركة طلابية، إذ يتطلب ذلك درجة من التنظيم، وبالتالي وجود هياكل وقيادات وخطاب وبرامج، غير أن وجود شريحة اجتماعية تتشابه، من حيث الظروف الموضوعية التي تلتقي فيها، ونعني الظروف التدريسية والبرامج، وتشابه المشكلات التي يعانيها الطلبة، يسبب نوعاً من الوحدة الشعورية، والرغبة في التنظيم. والطلبة في المستوى العام مواطنون في المجتمع، لهم حقوق المواطنة، وعليهم واجباتها. وعلى المستوى الفكري، لا توجد فلسفة طلابية خاصة بهم، وإنما هم يتأثرون بالتيارات والإيديولوجيات التي تشق المجتمع الذي ينتمون إليه.
غير أن الطلبة، كشريحة اجتماعية لها خصائصها المميزة، يتحركون باعتبارهم قوة اجتماعية، تقتصر عليهم، ويحاولون لعب دور، سلمياً كان أو ثورياً، في تطوير مجتمعاتهم، لا بوصفهم امتداداً لقوى اجتماعية خارج الجامعة، ولكن بصفتهم قوة مستقلة بذاتها، موازية للقوى الاجتماعية الأخرى. حيث تتصدى الحركة الطلابية للنضال الاجتماعي والسياسي، انطلاقا من مبدأ الرفض، رفض كل إملاءات حكم الاستبداد، وممارسة أشكال من المقاومة الشاملة لحالة الإخضاع التي يفرضها الطغيان على كل قوى الحراك الاجتماعي. وتحافظ الحركة الطلابية بمختلف فصائلها على حلم التحرر (من الاستعمار) أو (من الاستبداد).
وتاريخياً، نشأت الحركة الطلابية في تونس، منذ بداية القرن العشرين، ومن المعروف أن طلبة الجامع الأعظم قد نفذوا إضراباً عن الدروس سنة 1910 للمطالبة بإصلاح التعليم الزيتوني، وتحسين ظروف الدراسة، غير أن أولى الأشكال التنظيمية الطلابية لن تظهر إلا سنة 1950، مع تأسيس لجنة صوت الطالب الزيتوني، والتي أسهمت في النضال من أجل تحسين الظروف الدراسية لطلبة جامع الزيتونة، وساهمت بصورة فعالة في الكفاح الوطني، لإدراك عميق لدى قادتها أن الأوضاع الطلابية لا يمكن أن تنفصل عن معركة الاستقلال الوطني. وفي السنوات اللاحقة، سيظهر الاتحاد العام لطلبة تونس الذي تأسس في باريس سنة 1953، وظل سنوات طويلة جناحاً للحزب الدستوري الحاكم، وتولى كثير من قادته مناصب وزارية وقيادية عليا في هياكل الدولة، قبل أن يسيطر عليه التيار اليساري. وقد ازدهرت الحركة الطلابية التونسية، طوال السبعينيات والثمانينيات، ومثلت رقما فاعلا في الساحة الوطنية، وخاض الطلبة نضالات مشهودة ضد نظام الاستبداد البورقيبي، أو نظام بن علي، وهو ما تشهد عليه حركة فبراير 1972، وتحركات فبراير 1990، وتعرض الطلبة للاعتقال والتجنيد القسري، وقدمت الحركة الطلابية شهداء، مثلوا علامات مضيئة
على طريق التحرر من الطغيان، من دون أن ينفي هذا حدة المشكلات الداخلية التي عانتها، بفعل حالة الصراع الدائم والمتأجج بين القوى السياسية المختلفة الناشطة في الحرم الجامعي، خصوصاً في ظل التجاذب الحاد بين قوى اليسار، بفصائله المختلفة والمنضوية تحت إطار الاتحاد العام لطلبة تونس، والتيار الإسلامي الذي كان يتحرك ضمن الاتحاد العام التونسي للطلبة، غير أن ما سيحصل، لاحقاً، وفي أثناء حكم زين العابدين بن علي، هو حالة التراجع الهائلة التي سيعرفها الحراك الطلابي، حيث مارس نظام الطغيان كل أشكال القمع المباشر ضد الحركة الطلابية (اعتقال، سجن، طرد، ووقف النشاط).
كما حاول النظام تدمير الحركة الطلابية من داخلها، بإيجاد قوى موالية له (طلبة التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم حينها)، وتسطيح النضال الطلابي، ودفع الطلبة نحو التركيز على المسألة الدراسية، أولاً وأساساً، وصولاً إلى دفع الشريحة الكبرى من الطلاب إلى حالة اللامبالاة وتزييف الوعي الطلابي بأشكال مختلفة (دعائية، ثقافية،..). وقد زاد التشتت الطلابي (الفصائلية وضعف التمثيلية وتشنج الخطاب) في تدعيم النظام الاستبدادي، حيث دخلت الحركة الطلابية زمن حكم بن علي في أزمة هيكلية حادة تمثلت في جانبين:
أزمة ممارسة: فشل الهيكل الوحيد القائم حينها (الاتحاد العام لطلبة تونس) في التواصل مع الجمهور الطلابي العام، وظل محكوماً بصراعات داخلية بين فصائله المختلفة، وهي نزاعات تغذيها رؤى إيديولوجية ضيقة من ناحية، وعجز عن تقديم بدائل أو التقدم نحو إنهاء التشرذم الطلابي ومنطق الإقصاء الذي يغذيه النظام.
أزمة وعي: تحولت الجامعة إلى ساحة لتخريج صفوف العاطلين، واكتفى الطالب بالجانب المعرفي (الضعيف أصلاً) مبتعداً عن الانشغال بالقضايا الوطنية، أو حتى الدفاع عن مصالحه الطلابية.
وترسخت أشكال من الممارسة التي تقوم على الانتهازية (الولاء للحزب الحاكم). هذا الوضع سيكون له امتداده في الواقع السياسي والاجتماعي، ما جعل الحركة الطلابية تدخل حالة جزر، تؤكدها ظروف انحسار الوعي. وبعد اندلاع الثورة، ودخول تونس مرحلة الانتقال الديمقراطي، وعلى الرغم من الوضعية المريحة للنشاط السياسي والنقابي، عجزت الفصائل السياسية الناشطة في الجامعة، سواء بصورتها المباشرة، أو بغطاء نقابي، عن استيعاب التحول الثوري الحاصل، وهو ما تجسد في ما يلي:
تواصل التجاذب السياسوي في الجامعة، وبصورة حادة، إلى حد التهديد بالعنف، وصولاً إلى ممارسته، وهو ما تجسد في أحداث عنف متتالية، شهدتها أجزاء جامعية مختلفة، خصوصاً بين القوى اليسارية والقوى الإسلامية (أحداث كلية الآداب سوسة أو كلية الآداب منوبة).
استمرار حالة العزوف ووضعية اللامبالاة في صفوف الغالبية الكبرى من الطلبة (يدل عليه محدودية عدد الناشطين الطلابيين في الجامعة، أو ضعف الإقبال على انتخابات مجالس الكليات)، وهو ما يكشف عن عجز القوى المختلفة عن التأثير والتأطير والبناء.
وتحولت النقابات الطلابية إلى امتدادات سياسية لأحزابها داخل الجامعة، وهو ما أثر سلباً على طبيعة العمل النقابي، وما يقتضيه من تقديم خدمات للطلبة، والدفاع عن مصالحهم، بوصفهم شريحة اجتماعية لها خصوصياتها. وعلى الرغم أنه في ظل نظام ديمقراطي، كان ينبغي أن يحصل تطوير في الخطاب الطلابي، وفي الممارسة، وفي طرق التعامل، فإن الحركة الطلابية التونسية ظلت تعاني حالة من التشرذم والانقسام، أثر على نفوذها وقدرتها على التفاوض مع سلطة الإشراف. وعلى الرغم من وجود ثلاثة هياكل نقابية طلابية، الاتحاد العام التونسي للطلبة وصوت الطالب التونسي والاتحاد العام لطلبة تونس، فإنها فشلت في إيجاد أرضية مشتركة، من أجل الارتقاء بالمشهد الجامعي، في مستوياته المختلفة (البيداغوجية والمعيشية).
ولا يمكن النظر إلى الأزمة التي تعيشها الحركة الطلابية في تونس من زاوية واحدة، بل هي أزمة ترجع إلى عدة عوامل، يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي، حيث ينبغي أن ينطلق التعاطي مع هذه الأزمة من استحضار المعطى الموضوعي، المرتبط بمحيطها، ومعطى ذاتي يرتبط ببنيتها.
من الناحية الموضوعية، تعاني الجامعة التونسية من ضعف واضح على مستوى البرامج، أو الكوادر التدريسية، بالإضافة الى ضعف الإمكانات المادية اللازمة للتدريس، والتضخم الكبير لعدد الطلبة الذي حال دون تقديم التأطير الدراسي والثقافي الملائم لهم. ومن الناحية الذاتية، تعاني الحركة الطلابية التونسية من الفصائلية السياسية ومن التشرذم النقابي، وعلى الرغم من أن حالة التعددية في ذاتها ليست أمراً سلبياً، بل هي من علامات ديمقراطية الممارسة، غير أنها قد تتحول إلى عائق للإنجاز الطلابي، عندما تتحول إلى دافع للصراع والإقصاء المتبادل.
فتشخيص واقع الجامعة التونسية، ومعه الحركة الطلابية، على اعتبار الترابط الذي يجمعهما، يتطلب التحلي بالشجاعة الأدبية من جميع الأطراف (السلطة والطلبة). ولأن ذلك يقتضي تحميل كل المكونات الأساسية الموجودة في الحرم الجامعي المسؤولية فيما تعيشه، اليوم، الحركة الطلابية، لأنها استكانت إلى الصراعات السياسية الضيقة، ما أدى إلى مزيد من التشرذم وفوضى التمثيل الطلابي، حيث نجد اليوم في الساحة انقساماً ثنائياً في الاتحاد العام لطلبة تونس، يدعي كل منهما مشروعية تمثيل المنخرطين في الاتحاد، ووصل الأمر الى حد تبادل العنف بين الطرفين، بالإضافة إلى الصراع المتواصل مع الاتحاد العام التونسي للطلبة الذي يشكو من أحادية التمثيل، حيث ينتمي معظم ناشطيه إلى التيار الإسلامي، وتحديدا حركة النهضة، فيما انضوى قسم من الطلبة المستقلين، وبعض المسيسين، تحت لواء منظمة صوت الطالب التونسي، ما يعني عملياً أن إمكانية الحديث عن إطار نقابي طلابي واحد مسألة صعبة، على الأقل في الوقت الراهن. ويبقى إيجاد حل للأزمة التي تعيشها الحركة الطلابية رهيناً بانخراط مختلف الفاعلين في الحقل الجامعي، لإخراجها من الوضع الذي آلت إليه. لكن، يبدو أن الحديث عن تجاوز هذه الأزمة أمر صعب المنال، على الأقل في الوقت الحاضر.

* كاتب وباحث تونسي/”العربي الجديد”