الرئيسية / وجهات نظر / هل تتحول البورقيبيّة إلى أيديولوجيا؟
سمير حمدي

هل تتحول البورقيبيّة إلى أيديولوجيا؟

شكل قرار إعادة تركيز تماثيل الحبيب بورقيبة في الشوارع الرئيسية للمدن التونسية، وفق ما أعلن المستشار السياسي للرئيس، الباجي قائد السبسي، موضوعاً جدلياً في أوساط النخب التونسية، لكونه لا يمثل أولوية مهمة، في هذه المرحلة، بل واعتبره بعضهم، مثل محمد عبو، الأمين العام للتيار الديمقراطي “ضربا للقيم التي قامت عليها الثورة”. وبقطع النظر عن الأهمية التاريخية للرجل، باعتباره زعيماً وطنياً، فإن اتخاذ هذا القرار، وفي هذه اللحظة من عمر الثورة التونسية، وفي سياق انتقال ديمقراطي يوحي، وبقراءة مغايرة للقرار، من حيث أنه يتجاوز مجرد التكريم لقيادة تاريخية مهمة إلى محاولة لبناء أيديولوجيا رسمية، يحاول بعضهم تسويقها.
يحاول حزب نداء تونس الذي يتولى الحكم بناء تصور سياسي/ ثقافي، قائم على ما يصطلح عليه بعضهم بالإرث البورقيبي، غير أن المراجعة الموضوعية للمرحلة المطولة للحكم البورقيبي الذي استمر ثلاثة عقود لا توحي بأنه يشكل نموذجاً، يمكن ترويجه للأجيال الجديدة، بوصفه ما ينبغي البناء عليه للمستقبل، فبورقيبة لم يكن منظراً أو مفكراً، بقدر ما هو رجل سياسة، ذو حكم استبدادي مطلق، حاول أن يضع قناعاته غير الممنهجة موضع التنفيذ، وبصورة خلت من الاتساق، الأمر الذي يفسر هزات عديدة ومتوالية شهدها حكمه، بداية من صراعه مع التيار اليوسفي، ومرورا بفشل تجربة التعاضد (1969) والمواجهات المتعددة التي خاضها نظامه ضد الاتحاد العام التونسي للشغل (1978 /1985)، وانتفاضة الخبز (1984). وكان من أبرز سمات فترة حكم بورقيبة حالة الانغلاق السياسي وغياب التعددية الحزبية، وسيطرة الحزب الواحد الذي استحوذ على كل مفاصل الدولة. بل إن منجزات الفترة البورقيبية التي يتباهى بها بعضهم بها، مثل نشر التعليم والمنجز الثقافي، لا يمكن أن تقارن بنماذج أخرى ناجحة، تزامنت مع العهد البورقيبي (نموذج حكم لي كوان يو في سنغافورة، أو مهاتير محمد في ماليزيا). وبعيدا عن منطق الشيطنة المطلق الذي قد يعمد إليه خصوم بورقيبة، فقد كان لنظامه أثره على حياة التونسيين، بشكل واضح ومؤثر، غير أن منطق تغييب التاريخ الذي استمر طوال عهدي بورقيبة وخليفته بن علي لم يعد الاستمرار فيه بعد الثورة ممكناً، فشخصيات تاريخية وازنة، أمثال عبد العزيز الثعالبي وصالح بن يوسف وفرحات حشاد ومحمد الدغباجي ينبغي أن تستعيد حضورها في الوجدان الشعبي، فتونس ليست بلد الشخصية الواحدة، أو الزعيم الأوحد.
وليست محاولة تحويل ما خلفه بورقيبة إلى أيديولوجيا رسمية للدولة إلا محاولة بائسة للالتفاف على منجز ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011 الذي شكل لحظة فاصلة من أجل مصالحة التونسي مع تاريخه الوطني، واستئناف المسار الإصلاحي الذي دشنه رجالات الإصلاح في القرن التاسع عشر، أمثال خير الدين التونسي ومحمود قبادو وأحمد بن أبي الضياف، مرورا برموز حركة التحرير الوطني، وصولا إلى اللحظة الراهنة. وبعيداً عن إثارة الحنين إلى الزمن البورقيبي، فإن دوافع أنصار ما يسمونها البورقيبية تنطلق من منطق فرض مقولات اعتمدها الزعيم الراحل، لتثبيت أركان حكمه، ونعني بها مفاهيم “الأمة التونسية”، وأولوية الأمن على الحرية، وفكرة التحديث القسري، وهي تصورات أفضت إلى أزمات هيكلية في بنية النظام السياسي التونسي الذي فشل، ومنذ دولة الاستقلال، في استيعاب التعدد السياسي والفكري الذي تزخر به البلاد، وأفضى، في النهاية، إلى ثورة أطاحت زين العابدين بن علي. ومحاولات حزب نداء تونس الحاكم لاستعادة بعض مرتكزات الخطاب البورقيبي، وتقمص رئيس الجمهورية الحالي شخصية الزعيم الراحل، لن تشكل حلاً للأزمات التي تعيشها البلاد في نواحيها المتعددة (السياسية والاقتصادية والثقافية)، وإنما هي استعادة لنمط من الصراعات الثقافية المؤدلجة، والتي كان من المُفترض مجاوزتها، والمرور نحو بناء شكل جديد للحكم وللممارسة السياسية، بعيدا عن منطق شخصنة الدولة، وحصرها في فكرة الزعيم الملهم.
لا يتعلق الأمر بتركيز تمثال تذكاري لرئيس راحل، فهو ليس أمراً مفصلياً، وإنما ما يثير القلق أن الجهات السياسية والثقافية التي تتبنى هذا التوجه تحاول أن تفرض تصورها للدولة، بعد وصولها إلى السلطة، بشكل يوحي برغبة كامنة في استعادة نمط الحكم البورقيبي المغلق، ومقولاته الثقافية الأحادية، ولعل من مفارقات التاريخ أن الشخصيات الحاكمة، اليوم، والتي ترفع لواء البورقيبية كانت ممن تخلى عنه، لحظة انقلب عليه بن علي سنة 1987، بل ولم يحضروا حتى جنازته، عند وفاته، ففكرة ظهور تيار بورقيبي ليست إلا وليدة تباينات ما بعد الثورة، ومحاولة إيجاد سند أيديولوجي لخوض معارك سياسية وانتخابية ضد منافسيهم لا أكثر. فما تركه بورقيبة جزء من التاريخ الوطني للبلاد التونسية، ويحتاج دراسات موضوعية، من أجل كشف مواطن القوة والضعف فيه، أكثر مما هو موضوع تجاذب أيديولوجي، أو توظيف سياسي، لن يخدم مرحلة الانتقال الديمقراطي التي يعيشها البلد.

* كاتب وباحث تونسي/”العربي الجديد”