الرئيسية / وجهات نظر / دستور بوتفليقة
Tewfik-Rebbahi

دستور بوتفليقة

في الجزائر هذه الايام كلام بلا انقطاع عن تعديل الدستور. ارتقى الكلام من اجتهادات إعلاميين وسياسيين خارج دواليب الحكم وعلى حوافه ليتداوله مسؤولون حكوميون أحدهم رئيس البرلمان العربي ولد خليفة في مقابلة تلفزيونية الأسبوع الماضي، ما يؤشر إلى ان الموضوع بات فعلا في دائرة اهتمام أهل الحكم في الجزائر.
لكن لماذا وكيف سيُعدّل هذا الدستور؟ علما أنه تعرض لتعديل سابق سنة 2008، عن طريق البرلمان، بإلغاء المادة التي كانت تحدد عهد الولايات الرئاسية في اثنتين ليصبح مفتوحا يتيح للرئيس بوتفليقة البقاء في الحكم مدى الحياة.
ليس معروفا بوضوح ما الفصول أو المواد المقصودة بالتعديل المقبل. السيد ولد خليفة، رئيس الغرفة السفلى، تحدث عن «ديمقراطية حقيقة لا ديمقراطية واجهة» وعن «صلاحيات أكبر للبرلمان» وغيره من الكلام الذي لا يمكن البناء عليه على الرغم من انه جميل ويدعو للتفاؤل.
كلام أهل الاختصاص والسياسيين، الذين استقبلهم مدير مكتب الرئيس أحمد أويحيى قبل شهور بهدف «استشارتهم»، يحيل إلى أن الكثير من الأفكار نوقشت واقتُرحت. لكن أغلبهم يدركون أن فرص انتهاء اقتراحاتهم في سلة المهملات أقوى من فرص تحوّلها إلى نصوص أو أفكار في الدستور المنشود. فالكلمة الأخيرة للرئيس ومحيطه الضيق. الأول تركيبته النفسية ومزاجه يجعلانه يؤمن بأنه لا يحتاج لأحد لأنه أسمى وافضل من الجميع، والثاني (المحيط) لأنه لا يثق في أحد من خارج «الحلقة» ويرى أنه أدرى بمصالحه.
من الصعب تخيّل ان الرئيس بوتفليقة، أو الذين يحكمون باسمه يتجهون إلى تخفيف قبضتهم على دوائر المسؤولية في أجهزة الدولة. ومن الصعب تخيّل بوتفليقة، إن بقي فيه قدرة على الحكم، يتجه لمنح مزيد من الحريات للمجتمع. فهو لم يفعلها في 2008 عندما كانت الأوضاع داخل البلاد ومن حولها أقل اضطرابا سياسيا وأمنيا، فكيف سيفعلها وبيده أكثر من حجة عن «الخطر الخارجي» و»المؤامرات الأجنبية ضد الجزائر».
وفي كل الأحوال قضية الحريات وتخفيف القبضة الشخصية والعائلية على أجهزة الحكم لم تكن يوما قضية دستور أو نصوص قانونية، بقدر ما كانت مسألة ممارسات تلوي عنق أجمل القوانين وأكثرها سموا، وتفرغها من مضمونها وقوتها.
من المؤسف القول إن الطريقة ـ شبه السرية ـ التي أُحيطت بها مسودة الدستور لحد الآن، والغموض حول مكان وجودها الى غاية الأسبوع الماضي (في مكتب الرئيس، أم في مكتب البرلمان، أم الحكومة) يدفع الى التشاؤم، وفي أفضل الأحوال الى عدم توقع تعديلا لصالح الجزائر التي لا تحتاج في الظرف الحالي دستوراً بل لمن يحمي الدستور ويصون القوانين ويسهر على تنفيذها.
من المؤسف القول إن التشاؤم هو سيد الموقف، وفي أحسن الأحوال عدم الاكتراث، انطلاقا من واقع واضح ساطع: الرئيس الذي لم يهب الجزائر دستوراً جميلا وهو في أوجِّ عنفوانه وعطائه لن يمنحها شيئا وهو يأفل تحت وطأة السن والمرض. الرئيس الذي ينتظر من شعبه احترام الدستور ثم يضع نفسه فوق الدستور، لن يمنح البلاد دستوراً يليق بها. ومرة أخرى، أولوية الجزائر ليست دستورا جديداً بل من يحمي ويصون الدستور الموجود ويحترمه.
الباقي.. الحديث عن دور المجلس الدستوري وعن البرلمان والصلة بينهما، والتساؤل عمن منهما أحق بالنظر في المسودة قبل عرضها على الاستفتاء، وغيره، هذا كلة ترف كلام لا يقدم ولا يؤخر في شيء.
هناك سؤال واحد يهم أهل الحكم، هو: هل سيعرَض الدستور للمصادقة في استفتاء شعبي أم في البرلمان.
في تعديل 2008 الذي مهّد لبوتفليقة طريق الاستمرار في الحكم إلى ما لا نهاية، لم يغامر أهل الحكم بالذهاب إلى استفتاء شعبي. كانت الحجة السياسية والدستورية أن البرلمان، بما أنه منتخب ويمثل الشعب، يستطيع أداء المهمة. على الرغم من أنه لا حاجة للقول مرة أخرى إن البرلمان لا يمثل حقا الشعب ولا يتمتع بالمصداقية الكافية، هناك فرق واضح هو ما سيفرض خيار البرلمان هذه المرة أيضا: البرلمان أسلم لأن الاستفتاء الشعبي غير مضمون على أكثر من صعيد، ابرزها نسبة الإقبال ثم نسبة التصويت بنعم. نظام الحكم يسيطر على أعضاء البرلمان ويستطيع شراء صمت الأغلبية الساحقة منهم، لكنه مع المجتمع يعاني من أزمة ثقة عميقة ومن قطيعة كبرى. وهو لن يستطيع ضمان اتجاه المجتمع وشراء ذممه بينما هذا المجتمع يغلي أصلا من الغضب والمعاناة. المغامرة بالتوجه إلى استفتاء شعبي لم تعد مضمونة العواقب إلا إذا كان علاجها التزوير، وتلك طريقة لم تعد تنطلي لأن الخارج يراقب.
في زمن بوتفليقة لا مكان إلا للنِّسَبِ الساحقة، لأنه، وأهل الحكم، يعتبرون الأرقام «المتواضعة» مساسا بالرئيس شخصيا وتقليلا من هيبته وشعبيته.
في البرلمان ستكون الصورة كالآتي: ثلثا النواب مضمونون لصالح الدستور يصوتون عليه مهما كان مضمونه، لأن الذي يهمهم إرضاء الرئاسة واستمرار الريع الذي تدره مواقعهم وعلاقاتهم. الثلث الأخير موزع بين غائبين وممتنعين عن التصويت (حتى لا يجوع الذئب ولا يحزن الراعي) ومعارضين نشطين لا يوقف نشاطهم قطار التصويت، بل ستوظفه السلطة بالقول إنه علامة صحية على وجود حياة سياسية وتنوع واختلاف وديمقراطية!
هكذا سينتهي مسار دستور 2015 مثل دستور 2008.. سيكون فرصة لبوتفليقة والحاشية، لكنها فرصة (أخرى) ضائعة على الجزائر.

٭ كاتب صحافي جزائري/”القدس العربي”