الرئيسية / وجهات نظر / مرويات شعبية في المساءلة والشفافية
2د. عمران الكبيسي

مرويات شعبية في المساءلة والشفافية

كان بودي أن اكتب كلاما نظريا في المساءلة والشفافية، أو الحوكمة والعدالة على مستوى الدول والحكومات والقطاع العام أو المؤسسات الخاصة، تلك الموضوعات التي أصبحت موضة العصر في دول الربيع العربي، فقد تفشى الفساد، وتغول الموظفين العموميين في سوء استخدام مناصبهم رغم تطور تقنية المعلومات وحرية سيولتها، وما أن كتبت الفقرة الأولى حتى وجدت أمامي نموذجين تطبيقين من المرويات الشعبية ذات دلالات عميقة في سيرة المساءلة والشفافية، فرأيت وضعها بين أيدي القراء بلا تعليق، وأترك لهم مقارنتها بما سمعوا من تنظير في الحوكمة والعدالة، والمساءلة والشفافية، ولهم أن يستخلصوا ما يرون من فوارق النظر والتطبيق ما بين مروياتنا الشعبية والدراسات االأكاديمية الحديثة.
تقول الرواية الأولى: تناهى في إحدى الممالك إلى سمع السلطان فساد وزرائه وتقاعسهم عن خدمة الرعية، وأرد أن يتأكد ويختبر صحة ما توارد عليه فاستدعى وزراءه الثلاثة، وبعد التداول معهم بشأن الرعية لمس صواب ما توارد على ألسنة الناس، وقبل أنهاء اجتماعه بهم، طلب ﻣﻦ ﻛﻞ ﻭﺯﻳﺮ ﺃﻥ ﻳﺄﺧﺬ ﻛﻴﺴﺎ إلى ﺑﺴﺘﺎﻥ ﺍﻟﻘﺼﺮ ﻭﻳﻤﻸه بما طاب من الثمار الطازجة من دون الاستعانة بأحد، وسيتولى السلطان بنفسه توزيعها على خدم القصر تطبيقا لحلم رآه في المنام، ﺍﺳﺘﻐﺮﺏ ﺍﻟﻮﺯﺭﺍﺀ ﻣﻦ الطلب، ﻭﺃﺧﺬ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﻢ ﻛﻴﺴﻪ ﻭﺍﻧﻄﻠﻖ إلى ﺍﻟﺒﺴﺘﺎﻥ.
حرص ﺍﻟﻮﺯﻳﺮ ﺍﻷﻭﻝ ﻋﻠﻰ إرضاء سلطانه ﻓﺠﻤﻊ أفضل ﺍﻟﺜﻤﺮ ﻭﺃﺟﻮد ما وجد، ﻳختار ﺍﻟﻄﻴﺐ منه ﺣﺘﻰ ﻣلأ ﻜﻴسه. ﺃﻣﺎ الثاني : فتكاسل بعض الشيء لظنه أن ﺍﻟﻤﻠﻚ ﻻ يحتاج ﺍﻟﺜﻤﺎﺭ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﻭﻟﻦ ﻳﺘﻔﺤصها جيدا، ﻓﻠﻢ ﻳﺘﺤﺮ ﺍﻟﻄﻴﺐ فقط وملآ ﺍﻟﻜﻴﺲ ﺑﺎﻟﺜﻤﺎﺭ ﻛﻴﻒ ﻣﺎ ﺍﺗفق هذا وذاك. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ فأهمل وتكاسل ولم يصدق ﺃن السلطان ﺳﻳﻬﺘﻢ ﺑﻤﺤﺘﻮﻯ ﺍﻟﻜﻴﺲ. فملأه بما تساقط من الثمار التالفة والقديمة تحت الشجر وﺑﺎﻟﺤﺸﺎﺋﺶ ﻭالأﻭﺭﺍﻕ. وعند عودتهم أمر السلطان حراسه بوضع كل وزير منفردا مع ما جمع من الثمار في كيسه بإحدى غرف القصر وقفل عليهم الأبواب، وتركهم أسبوعا بلا زاد ولا ماء.
بدء ﺍﻟﻮﺯﻳﺮ ﺍﻷﻭﻝ يأكل مما جمع ﻣﻦ ﻃﻴب ﺍﻟﺜﻤﺎﺭ ﺣﺘﻰ ﺍﻧﻘضى الأسبوع وخرج سالما معافى، ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻮﺯﻳﺮ الثاني ﻓﻘﺪ ﻋﺎﺵ أسبوعه في ﺿﻴﻖ ﻭﻗﻠﺔ ﺣﻴﻠﺔ ﻣﻌﺘﻤﺪﺍ على ﻣﺎ ﺻﻠﺢ ﻣﻦ ﺍﻟﺜﻤﺎﺭ التي ﺟﻤﻌﻬﺎ فخرج بين الموت والحياة، ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻮﺯﻳﺮ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻓﻘﺪ ﻣﺎﺕ ﺟﻮﻋﺎ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﻨﻘﻀﻲ الأسبوع، وصدق تعالى قوله: }وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى{
أما المروية الشعبية الثانية فعن مدينة صغيرة كان يعيش أهلها في فقر وفاقة، وكانوا يختارون مطلع كل عام سلطان جديد من بينهم، يرشح نفسه ليعيش دونهم منعما مترفا ومطاعا في قصره وسلطنته طيلة عام واحد، وبعدها يلبسونه افخر الثياب ويحتفلون بنفيه إلى جزيرة مهجورة وسط البحر اشتهرت بأشجارها كثيفة ووحوشها المفترسة، فكان طموح كل من حكم الجزيرة اللهو بملذاته الدنيوية منعما عاما كاملا، وليلقى مصيره على يد الوحوش المفترسة بعد انتهاء عامه. وذات عام اختاروا سلطانا شابا اختلف عن سابقيه، لم يبال بحداثة النعمة، وعاش متواضعا كما تعيش رعيته، يعنى بشأنهم ويفضلهم على نفسه، ويقتصد بنفقات قصره وحاشيته ويصرفها سرا في إصلاح جزيرة الوحوش المهجورة، جمع الحيوانات المفترسة في جزء منها بعد أن هذب أشجارها وشق طرقها ونظمها، وشيد عليها في الجزء الآخر مرفأ ومنتجعا بسيطا جميلا يسر الناظرين، ويتقبل السفن المارة والسياح.
مر العام وانتهت ولاية السلطان الذي كان يقضي وقته في خدمة رعيته واعتبره الجميع أفضل سلطان حل بمدينتهم، وتم إلباسه افخر الثياب ليحتفلوا بترحيله إلى جزيرة الوحوش كالعادة، يملأهم الحزن والأسى على مصيره، ولكنه كان على غير عادة السلاطين قبله يبتسم ويودع شعبه، وفوجئ الناس بحاشيته ومن عمل معه في قصره يصعدون إلى المركب مفضلين الذهاب معه، فسألوه عن سر سعادته ومصير من معه، فأخبرهم أن وحوش الجزيرة ستستقبله بالترحاب لعدله، وسيجعلون منه سلطانا لهم، وطلب أن يزوره في جزيرة الوحوش كل يوم أسرة من مدينته ليروا بأنفسهم.
بدأت جزيرة الوحوش بفضل السلطان الشاب تستقبل البواخر وتعج بالسياح وتنبض بالحركة، وكل أسره تزورها من مدينته تفضل البقاء فيها والعمل مع السلطان، وتعيش مع أهلها في بحبوحة من الرفاهية، فترك القوم مدينتهم الفقيرة وفضلوا العيش في جزيرة التي أصبحت أجمل الجزر وأغناها بظل سلطانها العادل الذي ظل يعيش كأنه واحد منهم، وصار أبناؤه من بعده يرثونه ويقتفون خطاه وسيرته. ولا نقول إلا ما قال الله تعالى: {ﻳَﻮْﻡَ ﺗَﺠِﺪُ ﻛُﻞُّ ﻧَﻔْﺲٍ ﻣَّﺎ ﻋَﻤِﻠَﺖْ ﻣِﻦْ ﺧَﻴْﺮ ﻣُّﺤْﻀَﺮًﺍ ﻭَﻣَﺎ ﻋَﻤِﻠَﺖْ ﻣِﻦ ﺳُﻮﺀٍ ﺗَﻮَﺩُّ ﻟَﻮْ ﺃَﻥَّ ﺑَﻴْﻨَﻬَﺎ ﻭَﺑَﻴْﻨَﻪُ ﺃَﻣَﺪًﺍ ﺑَﻌِﻴﺪًﺍ ﻭَﻳُﺤَﺬِّﺭُﻛُﻢُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻧَﻔْﺴَﻪُ ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﺭَﺅُﻭﻑُ ﺑِﺎﻟْﻌِﺒَﺎﺩِ}.

“البلاد” البحرينية