الرئيسية / وجهات نظر / البورقيبيون الجدد
khalifa hadad

البورقيبيون الجدد

مرّت، يوم الإثنين 6 أبريل/نيسان الذكرى 15 لوفاة الحبيب بورقيبة، أول رئيس لتونس بعد الجلاء العسكري الفرنسي. بعد أكثر من عقدين من التغييب الذي مارسه نظام بن علي، يعود بورقيبة ليسجل حضوره في السجالات السياسية والحملات الانتخابية والشعارات الحزبية. اختلفت التقييمات بشأن بورقيبة و”مشروعه”، منذ بدايات حكمه، غير أن تحول البورقيبية إلى “مرجعية”، معلنة من الأحزاب المتناسلة عن حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، حزب بن علي، بات يثير أكثر من سؤال عن جدية تبني هذا “المشروع”، وحقيقة وجود “مشروع بورقيبي” أصلاً..
عرفت حقبة ما بعد الجلاء العسكري الغربي عن عدد من البلدان العربية والأفريقية والآسيوية ظهور “زعماء” تركوا، بحكم عوامل تاريخية واجتماعية متعددة، بصماتهم على الخيارات الكبرى التي قادت تلك البلدان، كعبد الناصر ونهرو ولومومبا وسنغور وبومدين. ولم يكن بورقيبة استثناء، فقد استهل حكمه بالإعلان عن الانخراط في معركة تحديث، متعددة الجبهات، مست التعليم والمجتمع والأسرة والصحة خصوصاً، غير أن قراءة موضوعية لتاريخ تونس الحديث تظهر أن بورقيبة لم يبدأ “مشروعه التحديثي” من الصفر، وأن تراكماتٍ سبقته منذ بدأت محاولات الإصلاح الأولى، حتى قبل انتصاب الحماية الفرنسية.
فقد عرف التعليم ثورة تحديثية حقيقية في المناهج والمضامين، منذ بعث المدرسة الصادقية سنة 1875، والتي كان لها الفضل في تخريج نخبة غير تقليدية، بينها بورقيبة نفسه، وامتدت المحاولات التحديثية، حتى خلال الاستعمار الفرنسي، ووصلت إلى جامع الزيتونة الذي انخرط مشايخ كثيرون منه في التعليم العصري، من خلال البرامج التي أدمجت تدريس اللغات الأجنبية والعلوم التطبيقية والتجريبية، ومن خلال التمدد الجغرافي بافتتاح فروع له في مختلف مناطق البلاد.
لم يكن بورقيبة أب التعليم الحديث في تونس، كما يروج. ولكن، يحسب للرجل انخراطه في المسار الذي بدأه غيره، وتعويله على المدرسة لتغيير المجتمع. كما تحسب له مساهمته في تحويل المدرسة، والتعليم الابتدائي تحديداً، من مرفق تحتكره الطبقة المرفهة في المدن الكبرى إلى خدمة موجهة إلى “أبناء الشعب” في الأرياف والدواخل.
ما يقال عن مآثر بورقيبة في تحديث التعليم ونشره والمراهنة عليه، يقال، أيضاً، في التحديث الاجتماعي والنهوض بالأسرة، وتحويل حقوق المرأة إلى تشريعات ملزمة. فبعد تقلد بورقيبة الرئاسة بأشهر، أُصدرت مجلة الأحوال الشخصية التي حددت سن الزواج، ومنعت تعدد الزوجات، ومنحت المرأة حقوقاً مساوية للرجل في التعليم والعمل.
لا شك أن صدور مجلة الأحوال الشخصية، بمضامينها تلك، في مجتمع خرج للتو من الاستعمار، وفي محيط محكوم بالمحافظة، وبنسبة أمية مرتفعة، كان مغامرة تحديثية جريئة، لم تقدم عليها بلدان عربية وإسلامية كثيرة حتى اليوم، غير أن عزل هذا الإنجاز عن سياقه الاجتماعي التونسي فيه مجانبة لحقائق التاريخ، فمن المعروف أن تعدد الزوجات في تونس كان استثناء، حتى قبل صدور مجلة الأحوال الشخصية، وكانت حالات التعدد نادرة جداً، حتى في الأرياف والمناطق ذات الطابع القبلي. هذا المزاج الاجتماعي الذي ينبذ التعدد، بطبعه، كان سندا لبعض مشايخ الزيتونة الذين نبهوا، مبكراً، إلى أهمية حقوق المرأة في التغيير الاجتماعي، ما كان عاملاً مساعداً لبورقيبة، للمضي في تحويله إلى تشريع ملزم. ولا يجب أن نغفل، هنا، عن التذكير بأن عملية التحديث الاجتماعي هذه تحولت، فيما بعد، إلى فوبيا حداثوية مرضية، تناصب العداء لكل ما يمت بصلة للهوية العربية الإسلامية، بلغت حد إصدار تشريعات تفرض أذواقاً من اللباس وتمنع أخرى وأدت إلى طرد آلاف النساء من الدراسة والعمل وسجن آلاف أخريات، بسبب ارتدائهن غطاء الرأس، كما اغتصبت نساء عديدات، ونزع البوليس ومليشيات الحزب الحاكم ملابسهن في الشارع.
ومن المفترض أن يكون التحديث الاجتماعي ونشر التعليم في أي بلد دافعاً لتحديث مواز في المجال السياسي، يتم بمقتضاه بناء مؤسسات ديمقراطية، تضمن التداول السلمي والحضاري على السلطة، وتحفظ للناس حقوقهم وحرياتهم، غير أن تجربة بورقيبة كانت على النقيض من ذلك، فقد تميز زمن بورقيبة بانغلاق سياسي كامل، قضى على الحقوق الليبرالية البسيطة الموروثة عن العهد الملكي. وعلى امتداد ثلاثة عقود من حكمه، واظب بورقيبة، دوريا، على إبادة خصومه السياسيين، بدءا بالحركة اليوسفية، مرورا بالحركتين، الشيوعية والقومية، ووصولا إلى الحركة الإسلامية. ولم يكتف بورقيبة بمنع أي نفس معارض، بل عبّأ الجهاز الإعلامي لذكر مناقبه، ونقل حركاته وسكناته، وبث خطبه وكلماته على مدار الساعة، في عملية دعاية وتأليه فجة. وما زالت أجيال من التونسيين تتذكّر الساعات الطوال التي يخصصها التلفزيون، طوال فصل الصيف، لنقل صور “المجاهد الأكبر” في أثناء سباحته في شاطئ المنستير، أو لنقل خطب يتحدث فيها للرأي العام عن انتصاره على قوانين البيولوجيا، وقدرته على الإنجاب، على الرغم من امتلاكه خصية واحدة.
ولعل المآل الذي انتهى إليه بورقيبة، أواخر الثمانينيات، أبلغ مثال عن علاقة الحاكم العربي بالكرسي. فعلى الرغم من فقدان الرجل جزءاً كبيراً من مداركه العقلية، ووصوله إلى درجة العجز عن التحكم في وظائفه البيولوجية، في أثناء الاجتماعات الرسمية ومجالس الوزراء، ما جعله مادة للتندر في مجالس التونسيين، فإنه ظل متشبثاً بالكرسي، حتى تم اقتلاعه بانقلابٍ، قاده تلميذه زين العابدين بن علي.
وقد لعبت جميع الأحزاب المتناسلة عن حزب بن علي ورقة البورقيبية، خلال الانتخابات الأخيرة وقبلها. وعلى الرغم من أن أيّاً من السياسيين الذين ينسبون أنفسهم إلى البورقيبة لم يجرؤ على زيارة بورقيبة، في إقامته الجبرية، أو السؤال عنه، أو ذكره طوال 13 عاماً، فإنهم حولوا البورقيبية إلى أصل تجاري، لتحقيق مكاسب حزبية وانتخابية، مستغلين شريحة كبار السن والنساء اللاتي تم تخويفهن من مشاريع مجتمعية وهمية، صنعها الإعلام والشباب الذي لم يعايش حكم “المجاهد الأكبر”، ولم يعرف عنه إلا ما يروجه الإعلام الموجه من لوبيات المال والسياسة.
لم يكن استحضار البورقيبية عملية دعاية سياسية فحسب، بل كانت عملية تعويض نفسي أيضا. فبعد هروب بن علي، وجد أتباعه أنفسهم قطيعاً بلا راع. فلم يكن حزب التجمع حزباً سياسيا بالمواصفات المعروفة للأحزاب، بل كان أشبه بشركةٍ، أو ناد على رأسه ضابط ينظم الأدوار، ويوزع الغنائم ويعز من يشاء ويذل من يشاء. غياب بن علي تسبب في شعور باليتم لدى أغلب التجمعيين الذين سرعان ما أخذهم طبعهم الذي اعتاد صورة الزعيم إلى استحضار بورقيبة، واستخدامه علامة تجارية لدخول سوق السياسة الجديد الذي لم يعد ممكناً فيه الدخول بعلامة بن علي.
وعلى الرغم من أن ورقة استحضار البورقيبية حققت مكاسب طفيفة لأصحابها، فقد تبين أن مدة صلاحيتها قصيرة جدا. إذ استفاق التونسيون، بعد سكرة الانتخابات، على حقيقة أن بلادهم تعاني أزمة هيكلية، لا تنفع معها الوعود، ولا الحنين الرومانسي إلى زمن مضى، ولن يعود ولا استحضار أرواح الموتى. فبعد الآمال العريضة المبنية على وعود انتخابية، أغلبها غير قابل للتحقيق، عاد الإحباط ليسم الشارع التونسي، وهو يعايش تفاقم أزمة البطالة وغلاء الأسعار واستشراء الأمراض الاجتماعية واستفحال الإرهاب الذي وصل إلى العاصمة لأول مرة.
تجربة بورقيبة، كتجارب غيره من السياسيين الذين مروا من تونس، أصبحت جزءا من التاريخ، ولم يعد ينفع معها التعاطي العاطفي والانفعالي الذي يجعل من بورقيبة ملاكا لدى بعضهم وشيطانا لدى آخرين. من حق التونسيين، ومن واجبهم أيضا، تقييم تجربة بورقيبة تقييما موضوعياً، ينزّلها في سياقها التاريخي. أما تحويل التجارب البشرية إلى أمثلة نمطية عابرة للزمن، ومتعالية عن النقد، فلا يخرج عن ثلاثة أغراض: الغباء أو المتاجرة أو عبادة الأصنام.

*كاتب تونسي/”العربي الجديد”