الرئيسية / وجهات نظر / الثورة التونسية تخسر شبابها
535a980f75319ea470a7306d90ae1524

الثورة التونسية تخسر شبابها

لم يتخطّ المرحوم محمد البوعزيزي الذي سبّب انتحارُه اندلاعَ الثورة التونسية ربيع عمره. شاب يتوافر عند تمحيص مقومات شخصيته ونمط حياته، جميع المواصفات التي تميز الشاب التونسي عموماً: فهو ذلك الشاب الذي حرص على إتمام مراحل تعليمه، لعله يلج سوق الشغل الذي يكفل له التدرج صعوداً في سلم الهرم الاجتماعي. وهو أيضاً تلك الشخصية المحافظة التي تأثرت ببيئة ريفية تقدس العادات والتقاليد، دون أن يخير العزلة والانغلاق أمام المدّ الثقافي القادم من الخارج.
وهو خاصة، ذلك الشاب الذي تنهار جميع أحلامه نتيجة عجز أجهزة المجتمع ومؤسسات الدولة عن تسهيل عملية دمجه، لا يجد حلاً سوى عربة غلال وخضر يدفعها خلسة عن أعين الشرطة الاقتصادية لكي يوفر حدّاً أدنى من المال يتيح له مسلتزمات البقاء.
البوعزيزي ليس أيقونة الثورة التونسية فحسب، بل يختزل الحال الذي كان عليه قيم واسع من الشباب في تونس في ظل حكم دولة ما بعد الاستقلال؛ بطالة مستشرية، رغبة في هجرة البلاد، نقمة على المقربين من السلطة، سخط على الفساد المالي والإداري، استهتار بأركان الدولة.
وبينما نيران الغضب تتأجج بين صفوف الشباب التونسي، كانت وسائل الإعلام لا تتوقف عن الدعاية لإنجازات أسطورية في ذمة النظام السابق لخدمة مختلف أصناف الشبان. ولم يكن يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول إلا إيذاناً بانبلاج عهد جديد، يكون فيه التونسيون – بمن فيهم الشباب – سادة أنفسهم من خلال الاختيار الحر والشفاف لكل من يحكمهم.
فالمشاركة الشبابية في مختلف فعاليات الثورة كانت ظاهرة وبارزة إلى حد أن هناك من تحدث عن «ثورة الشباب العفوية» في تونس. فلا رموز قيادية أو تنظيمات حزبية أو اجتماعية حركت المنتفضين في الشارع. فلم ينزل المتظاهرون إلى الشوارع لمقارعة مختلف أسلحة النظام البائد (الشرطة/ الإعلام/ الأحزاب الموالية) بأوامر من قائد وزعيم، بل أقدموا على تلك الخطوات الجريئة بعدما اتسعت الهوة بينهم وبين مؤسسات الدولة.
وبفرار الرئيس السابق زين العابدين بن علي متوجهاً إلى المملكة العربية السعودية، انزاحت معظم القيود والحواجز التي كانت تحول دون أن يستطيع أن يقرر الشباب مصيره. فكانت مختلف شوارع العاصمة وبقية المدن «أقورات» agories مفتوحة للجميع يشارك فيها الجميع في النقاش وإبداء الرأي حول مسائل سياسية وقضايا اجتماعية ارتبطت بأحداث ما بعد 14 جانفي/ كانون الثاني 2011. وخُيل أن عصراً جديداً انفتح أمام الشباب التونسي سينسيهم الحال التي كانوا عليها قبل ذلك التاريخ. لكن الأمور لم تسر مثلما كان متوقعاً!
كان التخلص من مختلف العراقيل السياسية والقانونية التي كانت تحول دون مشاركة الشباب في الحياة السياسية هي أحد أبرز المكاسب التي تحققت للتونسيين أياماً قليلة بعد إسقاط النظام السابق. إذ إن القيود التي كانت تسلط على الحريات العامة والفردية جعلت من العمل السياسي المستقل غير محبذ في تونس، إن لم يكن جالباً للمصائب على القلة القليلة من الذين انخرطوا فيه. فالنمط الدكتاتوري لنظام الرئيس السابق حصر مربع النشاط الحزبي في إطار ضيق للغاية لا يتلاءم مع شروط الدولة الديموقراطية.
والشباب باعتباره الشريحة العمرية الأكثر تميزاً بصفات التمرد والانتفاض، لم يكن من السهل كبح الطاقات الرافضة لديه، وخاصة أن الدولة تعاطت بأسلوب خاطئ مع حاجاته الخصوصية.
فلما توافرت أولى فرص التعبير السياسي عن رغبات التمرد، كان الشباب في الصفوف الأولى في تأجيج التظاهر ضد أعمدة الدولة السابقة، إلى أن انهارت تدريجياً.
وبعد الإعلام عن حدوث فراغ في مؤسسة رئاسة الجمهورية ليلة 14 جانفي، جابت موجة من الغبطة والانشراح مختلف فئات المجتمع.
وإثر ذلك، تحررت الحياة السياسية وأصبح من السهل بمكان المشاركة في الحياة السياسية. ولعل ما يمكن تسجيل حدوثه في تلك الفترة:
ــ ظهور حركات سياسية كانت تنشط في السرية إلى العلن وظهور أحزاب جديدة تسعى جميعها إلى الاستفادة من فسحة الحرية المتوافرة.
ــ انضمام دفعات جديدة من المجتمع تحول مركز اهتمامها نحو الشأن السياسي بعد أن كانت تتفادى في السابق الخوض فيه.
ــ شعور بعض المجموعات بشكل من أشكال «تأنيب الضمير» لكونهم لم يشاركوا، ولو عبر الأشكال غير الإيجابية، في الحراك الثوري، ما جعلهم يتصدرون كل المحطات السياسية التي تلت إعلان الثورة التونسية.
والشباب التونسي لم يكن بمنأى عن هذه التحولات السريعة التي أصابت المجتمع التونسي على حين غرة. حيث ملأ الساحات والميادين في مجموعات تناقش أمور البلاد، ويخوضون حوارات الخطوات التي وجب اتباعها حينها. واشترك الآلاف منهم في التنظيمات الحزبية التي سطعت في ذلك الوقت. وكانت «نفحة» الحراك السياسي في عنفوانها آنذاك. فالدعوات لتنظيم الاعتصامات المتتالية للتخلص مما بقي من أوجه النظام السابق، والحملات التحسيسية للتعريف بقضايا شهداء الثورة وجرحاها كانت على رأس أولوياتهم.
وخلال فترة الاضطرابات والفوضى التي أعقبت إعلان حالة الطوارئ بالبلاد، تشكلت «لجان يقظة» من شبان الأحياء والمدن لحماية مقارّ إقاماتهم من موجة السرقة والنهب التي استغلت حالة الفراغ الأمني بعد تراجع مختلف أجهزة الشرطة عن القيام بدورها.
ورغم توحد جزء كبير من الطبقة السياسية قبل انزياح النظام السابق حول المطالبة بالديموقراطية وتحقيق العدالة واحترام حقوق الإنسان اختلفوا في ما بعد انهياره حول البدائل والبرامج المقدمة لحيازة ثقة الناس لتولي السلطة عليهم. تكتب المواطنة نائلة الحامية في ذلك الوقت: «كل أملي أن يتواصل هذا الحراك رغم ما يتسم به أحياناً من تغييب للمصلحة العامة أمام مطالب فئوية شخصية ودون أن يتحول إلى مكبل للاقتصاد وباعث للفوضى والاضطراب بين مكونات المجتمع الواحد، لكن المحزن في تظاهرات اليوم في تونس أنها أشبه باستعراضات للقوى وهي حاملة لرسائل القادة السياسيين لا لتطلعات الشعب».
ورغم صعوبة تقبل فكرة تحمل الشباب لمسؤوليات سياسية بارزة، تمكن البعض منهم من احتلال مناصب مهمة، فاختير سليم عمامو كاتب دولة للشباب قبل أن يقدم استقالته، وحصل الترفيع في عدد مقاعد الشبان في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي التي مثلت الإطار التشريعي الانتقالي الذي أدار أمور البلاد قبل انتخابات المجلس التأسيسي.
وتدريجاً، بدأ يتشكل المشهد السياسي حول أقطاب سياسية بارزة، أغلبها كان ينشط في العهود السابقة. فعلى يمين المشهد الحزبي سطعت مكانة حركة النهضة الإسلامية لتسيطر على كامل فضاء الإسلام السياسي، تاركة بعض المساحات لأحزاب أخرى صغرى مثل حزب التحرير وبعض المجموعات السلفية. فيما كان وسط الخريطة السياسية ويسارها مكتظين بالأحزاب المتخاصمة في ما بينها. وكان من الصعب تحديد حجم قوتها الجماهيرية لولا انتخابات المجلس الوطني التأسيسي.
انتخابات شهدت مشاركة واسعة النطاق من مختلف الشرائح، وخاصة الشباب الذين تقدموا إليها في قائمات مستقلة في غالب الأحيان، بعد أن عجزوا عن منافسة القيادات التاريخية على رأس القائمات المترشحة.
لكن نتائج انتخابات المجلس التأسيسي لم تكن في مستوى تطلعات الشبان الذين تاقوا إلى حيازة مكانة أكبر في صلب هيئة من مهماتها الأساسية سنّ دستور جديد يتلاءم مع آمال الدولة الديموقراطية المنشودة.
غير أنه لا يُمكن إغفال النظر عن دور الشبان في الأنشطة الأهلية والجمعياتية. فالاجتماعات والدورات التكوينية امتدت على مختلف ربوع البلاد، مستفيدة: أولاً من هامش الحريات الواسع، وثانياً من الدعم المالي واللوجستي الذي تزايد بقوة في ذلك الزمن.
ولأول مرة في تاريخها، شهدت تونس إجراء انتخابات تتوافر فيها المقاييس الدولية المطلوبة. فكانت المنافسة شرسة أفرزت تشكيلة متنوعة من الأحزاب السياسية. فيما فشلت جميع القائمات المستقلة التي رأسها شبان من دخول قبة المجلس التأسيسي.
وهذه الانتخابات التي قالت معظم المنظمات المحلية والدولية التي تهتم بمراقبة الانتخابات إنها تتصف بالنزاهة والشفافية لم تكن كذلك.
وكثيرة هي الصعوبات التي منعت نجاح الشباب من نيل نصيب في داخل الهيئة السياسية الأولى بالبلاد. من بينها نذكر:
ـــ صعوبة توفير التمويلات اللازمة لتغطية مصاريف الحملة الانتخابية. فمعظم الشبان المشاركين في تلك الانتخابات هم إما طلبة جامعات أم صغار موظفين. وليس من السهولة بمكان توفير الأموال الكافية للدعاية الانتخابية في دولة تفتقر إلى تقاليد إجراء انتخابات حقيقية.
ــ تغييب مختلف وسائل الإعلام للمرشحين الشبان. فجل وسائل الإعلام بمختلف أشكالها أهملت إبراز البرامج الانتخابية لمختلف المرشحين الشباب، مولية اهتماماً أوسع ببرامج الأحزاب الكبرى.
ـــ صعوبة منافسة آلة الدعاية الحزبية. فمعظم الشبان المترشحون فضلوا التقدم بصفة مستقلة عن الأحزاب.
وبعد إعلان تعيين رئيس مؤقت للبلاد واختيار أفراد الحكومة المركبة من الأحزاب الثلاثة الأكثر حصولاً على مقاعد في المجلس التأسيسي، بدأت حالة الإحباط تصيب الشبان تدريجياً. حيث لم يجد الشباب من يمثلهم في الحكومة الأولى المنبثقة من الانتخابات، ولا حتى في تلك التي لحقتها إثر عملية التحوير.
فمعظم المؤسسات السيادية ظلت على حالها ولم يطرأ عليها تغييرات كبرى.
ورويداً رويداً بدأ جزء كبير من الشباب يعي أن الطبقة السياسية القديمة، من معارضين سابقين أو مناصري الحزب الحاكم المنحل عادوا لاحتكار كامل مفاصل الحياة السياسية لفائدتهم. وبرزت من جديد مظاهر اليأس من المشاركة الفعالة في الحياة العامة، بعد أن أحس عدد من النشطاء بنوع من أنواع الإقصاء والتهميش. بشاهدنا تزايد نسب عزوف الشباب عن النشاط السياسي، فضلاً عن الاهتمام بالحياة العامة. وعادت أولوية تفاصيل الحياة اليومية كمشغل أساسي من مشاغل الكثيرين من الشباب.
هذا الإحباط تزامن كذلك بتزايد وتيرة الصراعات الفكرية والإيديولوجية التي أصبحت تنخر الطبقة السياسية، في المعارضة أو في الحكم. وغابت الأهداف التي من أجلها قامت الثورة عن الأجندة العاجلة لمختلف مكونات الطيف السياسي. وشارك الإعلام في وطيس الحرب المستعرة بين السياسيين حول قضايا لا تعالج أهم المشاكل الأساسية مثل البطالة والفقر وغياب التوازن في التنمية بين مناطق البلاد وتوتر العلاقة بين مؤسسات الدولة وبين المجتمع، إلخ.
ورغم مواصلة الشباب في الحراك الاجتماعي من خلال المشاركة الفعالة في مختلف الاعتصامات السياسية والإضرابات والتحركات الطلابية، إلا أنه فقد الأمل في قدرة السياسيين على تمثيل طموحاتهم. فباعتصام «الرحيل» أمام مقر المجلس التأسيسي تأسست مجموعة من الشباب حملت عنوان «الشباب يقرر» عملت على تنشيط التحركات الميدانية المناهضة للحكومة بمعزل عن اتفاقات الأحزاب السياسية المعارضة، غير أن تلك المجموعة سرعان ما تبعثرت نظراً إلى عدم قدرتها على منافسة سرعة عمل الآلة الإعلامية والمالية الضخمة التي تحوزها الحركات الحزبية الكبرى.
وأسست مجموعة من الشبان ينتمون إلى فصائل سياسية يسارية راديكالية الاتحاد الشبابي الديموقراطي. ولم يمرّ على تأسيس هذه المنظمة بضعة أسابيع، حتى تحدثت بعض التقارير الإعلامية عن أن رجل أعمال فاسداً يتولى تقديم الأموال لهذا الهيكل!
وإذا ذهب الاعتقاد في الوهلة الأولى، إلى أن هناك تراجعاً لاهتمام الشباب بالشأن العام نتيجة الخيبات المتتالية التي أصابتهم، فإن ذلك لا يعني، ضرورة، تخلياً من جانبهم عن محاولة افتكاك مكان لهم في الحياة السياسية. إذ أطلق العديد منهم مبادرات تستحق الاهتمام، وتسجل تحولاً في التعاطي مع هذا المجال، تحاول القطيعة مع أسلوب العمل العفوي والاعتباطي، لتكون أكثر حرفية وتنظيماً، ما قد يبوئهم في المستقبل مكانة أكثر بروزاً.
ومن تلك المبادرات نذكر مثلاً، حملة «الشباب يقدر»، وهي حملة أطلقها عدد من الشبان من حاملي الشهادات العليا تزامناً مع إعلان تشكيل حكومة مستقلة برئاسة مهدي جمعة. هذه الحملة التي سجلت خلالها مشاركة العشرات من الشبان الذين عرضوا عبر المواقع الإلكترونية سيَرَهم الذاتية بغرض تحمل المسؤولية بشكل مجاني في دواليب الحكومة خلال ما بقي من الفترة الانتقالية، تمكنت من فرض حالة من التعاطف الوطني معها. غير أن السياسة لا تعني أيضاً النيات الطيبة فحسب، بل هي أيضا كياسة وخبرة وحنكة، وهو أهم تحدٍّ يُطرح في كل الحالات، على الشبان الذين يتوقون إلى التأثير في المشهد السياسي.
“الأخبار” اللبنانية