الرئيسية / وجهات نظر / بين “إيبدو” و”باردو”
unnamedشعيب

بين “إيبدو” و”باردو”

تعدّ عمليتا “شارلي إيبدو” التي راح ضحيتها 12 صحفياً مغدورين في باريس ومتحف باردو التي اغتيل فيها 22 سائحاً أجنبياً في تونس، نقلة نوعية في العمل الإرهابي الدولي متجسّداً فيما قام به تنظيم “داعش” منذ احتلال الموصل وتهجير المسيحيين بعد تخييرهم بالتأسلم “الداعشي” أو دفع الجزية أو الرحيل وقتل الإيزيديين وسبي نسائهم، وفيما بعد تدمير متحف الموصل الشهير والنمرود والحضر، وغير ذلك.
وكان نفوذ “داعش” قد امتدّ إلى خارج الحدود، حيث أعلنت بعض التنظيمات في ليبيا ونيجيريا بيعتها لأبي بكر البغدادي باعتباره خليفة للدولة المزعومة، وكان فرع “داعش” الليبي قد أقدم على فعلة إرهابية مماثلة بقطع رؤوس 21 قبطياً مصرياً، مثلما تم اختطاف أكثر من 100 مسيحي من محافظة الحسكة في سوريا، ولا يزال مصيرهم مجهولاً، إضافة إلى اختطاف مئات النساء من قبل منظمة “بوكو حرام” الإرهابية التي أعلنت ولاءها ل”داعش”.
يبدو أن التنظيم الإرهابي لم يكتف باحتلال الرقة وجعلها عاصمة له، وبعدها احتلال الموصل وأجزاء واسعة من العراق وسوريا، بلغت نحو ثلث أراضي كلا البلدين، فأراد التمدّد باتجاه الخارج باستعراض للعضلات، خصوصاً في مناطق حسّاسة جداً إزاء الإرهاب الدولي لاعتبارات ثقافية ومجتمعية وحتى دينية، فضلاً عن قوانين وأنظمة تغلّظ العقوبات وتلاحق المرتكبين، وهو الخطأ ذاته الذي وقع به أبو مصعب الزرقاوي حين نسب عمليات الفنادق الإرهابية في عمان وعمليات الإرهاب في شرم الشيخ لتنظيمه الإرهابي، إذ سرعان ما تعاونت قوى عديدة ومختلفة لوضع حد له فاغتيل في 7 حزيران/يونيو 2006.
في تونس انتقل الإرهاب من الجبال والمناطق النائية والحدودية إلى المدن، ومن الاغتيالات السياسية لبعض القادة والزعماء، وخصوصاً اليساريين مثل شكري بلعيد ومحمد البراهمي إلى مراتب الجنود والشرطة، إضافة إلى استهداف المدنيين على نحو عشوائي، وهي طريقة يقوم بها “داعش” وقبله تنظيم القاعدة لإحداث الرعب في النفوس، يضاف إلى ذلك فإن التنظيمات الإرهابية استهدفت أهم القطاعات تأثراً وهي الثقافة والسياحة، فضلاً عن التاريخ، ففي تونس تعد “عملية باردو” نموذجاً لضرب السياحة والمؤسسات الاقتصادية، كما تأثرت السياحة في مصر إلى حدود كبيرة بالعمليات التي يقوم بها الإرهابيون في سيناء، أو استهداف بعض المرافق السياحية، علماً بأن مصر وتونس تعانيان أزمة اقتصادية خانقة، والمشهد السياسي الذي يوفّر الاستقرار والأمن لم يتشكّل بعد بصورته النهائية، على الرغم من أن تونس ومصر تعتبران الأكثر استقراراً قياساً بالبلدان الأخرى التي شهدت تحركات شعبية.
من جهة أخرى، استغلت التنظيمات الإرهابية الحرب الأهلية القائمة والمستمرة منذ أكثر من عام ونيّف في ليبيا، فأجهزت على المطارات والموانئ معطّلة إنتاج النفط وتصديره، وهي لا تزال تعاني من أوضاع اقتصادية وإنسانية فائقة التدهور، مثلما تلقي تلك الأوضاع بظلالها على الوضع التونسي المعقّد والصعب، كما تمتد بتأثيراتها، حتى وإن كانت على درجة أقل، على مصر والجزائر.
لكن تنفيذ عملية “شارلي إيبدو” في فرنسا، له وجه آخر، فقد استهدف تأكيد إمكانات “داعش” وربيباته للوصول إلى أهداف في أوروبا والعالم، خارج نطاق المنطقة العربية، وجاء بمثابة تحذير للتحالف الدولي الذي أقيم لدعم العراق في صراعه ضد “داعش”، ولكنه في جميع الأحوال كان تحوّلاً جديداً في عمل “داعش” الخارجي وفي حربه النفسية. صحيح أن “داعش” تعرّض إلى خسائر غير قليلة وتراجع عن مواقعه مضطراً في ديالى والأنبار وصلاح الدين، لكنه لايزال مستحكماً في بعض المواقع، وينفّذ عملياته الإجرامية بطريقة مخيفة، كما حصل في معسكر سبايكر وكما حصل في ليبيا وتونس واليمن وسوريا وفرنسا وغيرها.
الظاهرة الإرهابية ليست معزولة عن بعضها، إنها حلقات من سلسلة كاملة متصلة ومنسجمة من بغداد إلى دمشق، ومنها إلى الجنوب العربي في اليمن ومنه إلى بلاد المغرب العربي، فضلاً عن امتداداتها الكونية من أفغانستان والباكستان وحتى مالي ونيجيريا، وهذه السلسلة تحاول تعزيز نفسها بطائفة من الأعمال الإرهابية على المستوى العالمي لتحقيق المشروع الكوني الذي تسعى للوصول إليه.
إن هذه الظاهرة التي تمكّنت من بعض البلدان العربية، ومن استقطاب بعض الشبيبة المغرّر بها والتي تشعر باليأس والقنوط بسبب الحرمان والفقر وعدم المساواة وغياب العدالة، فضلاً عن ظروف شخصية ونفسية معقّدة، نقول إن هذه الظاهرة تحاول أن تستوطن في بعض المناطق بالضرب على الوتر الطائفي والديني، بحيث يمكنها أن تجد لنفسها حاضنة اجتماعية، ولاسيّما وهي تتغذى من التهميش والتخلّف والأمية والتفاوت الاجتماعي والضياع الفكري والثقافي والتعصّب الديني والتطرّف الطائفي.
إن بيض الإرهاب الذي يفقّس بسرعة خارقة يحتاج إلى مبادرات غير تقليدية وتفاهمات سياسية ومجتمعية على المستوى الوطني والقومي والإقليمي والدولي، لتطويق هذه الظاهرة على أمل القضاء عليها، وهناك معادلة حقوقية سياسية اقتصادية أمنية وعسكرية أساسية لا بدّ من اعتمادها، إذ لا يمكن تحقيق الأمن بدون الكرامة، وإلاّ سيكون أمناً للحاكم، سرعان ما ينهار، إذا لم يكتمل مع أمن المواطن، وأمن المواطن يتعزز بالحرية والكرامة، وهما لا يمكن تحقيقهما دون سيادة الأمن والاستقرار، الأمر الذي يحتاج إلى مزيد من التوازن في تحقيق هذه المعادلة الصعبة.
إن تزايد التهديدات الإرهابية من العراق وسوريا واليمن ومصر وبلاد المغرب العربي وصولاً إلى أوروبا والعالم، يحتاج إلى تنسيق الجهود والطاقات اللوجستية والاستخبارية على المستوى العالمي، إضافة إلى وضع حلول ومعالجات واقعية تستجيب لخطط طويلة الأمد لإعادة ترميم العلاقات الدولية على أسس سليمة وتحقيق العدالة الدولية ومنع العدوان والعمل من أجل إنهاء الاحتلال، ولاسيّما للشعب العربي الفلسطيني وتمكينه من إقامة دولته الوطنية المستقلة.
إن الأطروحات الإرهابية، سواء كانت دينية أو طائفية أو تتعلق بصدام الحضارات وصراع الثقافات، تثير فزعاً غربياً مبرراً أو غير مبرر، أي مبالغاً فيه تحت عنوان “الإسلاموفوبيا” (الرهاب من الإسلام) مقابل اختيار بعض الجماعات المتعصبة، بما فيها الإرهابية “الغربوفوبيا”، أي العداء لكل ما هو غربي في إطار قراءة إرادوية ماضوية للتاريخ والدين والمجتمع والعلاقات الإنسانية، دون الأخذ في الاعتبار التطور التاريخي.
وعلى مستوى كل بلد عربي وإسلامي لا بدّ من حوار مجتمعي مفتوح لكشف خبايا وخفايا التنظيمات الإرهابية، ووضع أفعالها وممارساتها أمام الرأي العام وتحت طائلة القانون، لاسيّما بتوفير مقوّمات العيش الكريم لمختلف الطبقات والفئات الشعبية، لمنع آلاف الشباب العربي والمسلم إضافة إلى الغربيين من الانخراط في الجماعات الإرهابية، ولا بدّ من عدم نسيان الدور الذي تقوم به بعض وسائل الإعلام ذات الأبعاد الطائفية والتعصّب الديني من التأثير في الشباب. وأعتقد أننا بحاجة إلى تشريعات ناظمة تفرّق بين حرية التعبير والدعاية العنصرية التي تروّج للأفكار الإرهابية.
الإرهاب واحد مهما كان شكله وهدفه، أكان فردياً أو جماعياً أو إرهاب دولة، سواء جاء من الشرق الأوسط أو اجتاح المغرب العربي أو وصل إلى أوروبا أو ولد فيها، فإن مصادره وأخطاره واحدة وهي لا هوّية ولا جنسية ولا وطن ولا دين ولا لغة له، الأمر الذي يتطلب اعتماد ستراتيجية جديدة لمكافحته، وهو ما حاول مؤتمر “باريس 4″ مناقشته بجدية وأكاديمية ومسؤولية بحضور سياسيين ومفكرين وخبراء قانونيين وأمنيين وعلماء اجتماع ونفس ورجال أعمال.

*باحث ومفكر عربي/”الخليج”