الرئيسية / وجهات نظر / عبد الهادي التازي.. عالم من أزمنة زاهية
BOUKHAZER

عبد الهادي التازي.. عالم من أزمنة زاهية

لم يستسلم الأستاذ عبد الهادي التازي الذي اسلم الروح لباريها مساء الخميس الثاني من ابريل؛ للشيخوخة. ظل دؤوبا على النشاط الثقافي، دون كلل أو شكوى من الزمان، في مجال تخصصه وانشغالاته الأكاديمية الموزعة بين البحث التاريخي واللغوي والترجمة والتحقيق.
لا يغيب او يعتذر، إلا بسبب مانع قاهر، عن أية تظاهرة ثقافية، مهما بعد مكانها، سواء دعي لها من الداخل او الخارج.
وكثيرا ما شوهد الراحل في المطارات، مستعينا بعكازين، او بمن يسنده من اقاربه، على تحمل اعباء السفر، خاصة في السنوات الاخيرة، بعد ان تقدم به العمر ووهن العظم منه، أما ذهنه فقد ظل متوقدا، نابضا وصافيا، وكأن صاحبه في ريعان الشباب الدائم. يضفي على شخصه جمالا، طبعه المرح والنزوع الواضح نحو الفكاهة اللذيذة، إلى جانب حضور قوي للبديهة المتوثبة فيه. تلك بعض من صفات لا تخطئها العين، ميزت شخص “الأستاذ” ولازمته طوال حياته المديدة.
كان بامكان هذا الدبلوماسي العتيق المعتق، ان ينعم بتقاعد مريح، مكتفيا بعضويته في اكاديمية المملكة وسواها من المجامع اللغوية والمراكز البحثية خارج المغرب، قانعا بذكرياته وانجازاته في المناصب الرفيعة التي تقلدها خلال مسار حافل بالعطاء، في المجالات التي اهتم بها، بما في ذلك الاشتغال في السلك الدبلوماسي المغربي الذي خدم فيه بمثل طاقته وحيويته وتفانيه وقناعاته الفكرية الموجهة، موظفا ذخيرته العلمية.
هو ديبلوماسي من طراز فريد، كان في وقت من الأوقات، مفخر الخارجية المغربية، فقد أحيا وأعاد الاعتبار لنمط من السفراء والسفاريات المشهورة في التاريخ العربي الاسلامي.
ربما كان ابن خلدون، او ابن بطوطة، او لسان الدين بن الخطيب، نماذجه العليا وقدوته في ممارسة الوظيفة الدبلوماسية، بالاعتماد على العلم والفكر والتفنن في ابراز حضارة ومقومات بلاده، لاقناع محاوريه وسامعيه في الدول التي يمثل فيها بلاده بانه مبعوث أمة عريقة. لا يهم ان فشل او نجح، التازي، بمقاييس الدبلوماسية الحديثة.
وفي هذا السياق، أشاد به العراقيون، خاصتهم وعامتهم، وتمنوا في فترة ان يظل سفيرا مقيما عندهم على الدوام في عاصمة الرشيد. كان بيته ومكتبه مقصد النخب العالمة من ادباء ومؤرخين وباحثين في الحضارات الإسلامية. يأتون اليه اعجابا بشخصه الممتع، يطارحونه ويساجلونه كما في مجالس الخلفاء، ثم يطلبون منه “التأشيرة” للسفر في تاريخ المغرب وثقافته وفنونه، فيجدون فيه نعم المرشد “الهادي” يفسر ويوضح وينبه.
“سيدي عبد الهادي” كما كان يدعى تلطفا واحتراما، صنو التاريخ، لا تعد ولا تنتهي صفحاته. كل عصر يحيلك على اللاحق او يعيدك الى ما قبله. غني، متعدد، زاخر بالاحداث الجسام، مرهق ان اردت الغوص والاحاطة بتضاريسه وأطواره.
“التازي” سليل مدينة فاس، التي راى بها نور الوجود عام 1921، هو الغصن اليانع دائم الاخضرار في شجرة انساب علمائها الأفذاذ الذين نهلوا المعارف، مرابطين، حتى الاكتمال والشبع في جامعة القرويين العتيدة. تلك المدرسة، لم ينس التازي فضلها عليه، فقد جعلت منه واحدا من صفوة خريجيها المجتهدين، ليصبح علما من اعلام المغرب المبرزين.
لذا، كان من الطبيعي ان يعترف بجميلها ودينها عليه. خصها الراحل بدراسة ضخمة، تقدم بها لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة الاسكندرية، حيث شكلت مناقشتها حدثا اكاديميا في حينه. وجدت لجنة المناقشة نفسها امام عملين: الاطروحة المكتوبة، بما تحتويه من جهد في البحث والتوثيق والمراجع، وصاحبها الذي أبهر سامعيه بإضافاته واستطراداته اللطيفة والمفيدة.
وما زالت تلك الاطروحة الجامعة عن جامع القرويين، مرجعا لا غنى عنه لكل باحث، مبتدئ او راسخ في العلم، يستطلع من خلالها صورة وماضي ذلك الصرح المعماري وتلك المنارة الفكرية السامقة التي شيدتها ورعتها السيدة فاطمة الفهرية.
لم يكن الاستاذ التازي، في حاجة الى شهادة الدكتوراة، فاللقب المغري الذي يتهافت عليه كثيرون، لم يكن ليضيف اليه شيئا. ففي ذهنه نموذج العالم المتبحر في أصناف المعرفة،لا يحده تخصص محدد؛ لذلك لم يكتف التازي بحفظ المتون في القرويين ونيل شهادة “العالمية” عن شيوخها الذين اخذ عنهم، بل انخرط لاحقا في مسار التعليم الجامعي الحديث، بفكره الخصب ومناهجه الغربية الدقيقة ولغاته الحية وآفاقه المعرفية الرحبة. حرص “التازي”على تدوين سيرة جامع القرويين، لتظل حاضرة في أذهان بني قومه، بعد ان خفت إشعاعها. هي اولا معلمة مدينته فاس، بها تذكر، ومرتع سنوات التحصيل الاولى، وهي ايضا رمز لما يمكن تسميته بالوحدة العلمية والفقهية بين اطراف المغرب والمغاربة. منها تخرجت افواج تلو اخرى من الطلاب، على مر الازمان. النبهاء منهم شكلوا طبقة من الفقهاء والنحاة والمناطقة والفلكيين والمؤرخين والادباء، تداولوا على الكراسي العلمية بها؛ ومن قنع من الطلاب بما اعتقده كافيا من العلم، عاد الى بلده ليمارس احدى الوظائف الدينية والفقهية في المجتمع المحلي.
وتصعب الاحاطة في هذا النعي الحزين، بمناحي السجل العلمي الزاخر للراحل الكبير؛ كونه لم يتوقف عن النهل من المعرفة والبحث والتأليف والتنقيب واستنطاق الوثائق والمخطوطات بالتنقل اليها حيثما استقرت، فضلا عن المراسلات المتبادلة بين الحكام والتقاييد العائلية، وباختصار كل الآثار والادلة التي تخدم قصده المعرفي، مدفوعا بهاجس تقصي الصور الزاهية واللحظات المضيئة الساطعة في عصور تاريخ المغرب الزاهرة.
هو أحد المؤرخين المولعين بالوثيقة حد الهوس، ليس باعتبارها سند الباحث ودليله لفك مستغلقات الفترة التي يبحثها، وانما لتوظيفها، اي الوثيقة، في المعارك الدبلوماسية الراهنة لترجيح موقف المغرب وإثبات حقوقه بخصوص الازمات والخلافات التي باعدت بينه وبين جيرانه النصارى والمسلمين.
جمع كما ثمينا وهائلا من الوثائق وصانها من العبث والضياع نشر الكثير والاهم منها محققة، مصححة، صيانة للذاكرة القومية وإخصابها لتظل متجددة، كونها الرابط المتين بين الماضي السحيق والحاضر الراهن، المستشرف للمستقبل الباسم.
لم يحجم الراحل الكبير، عن الإدلاء برأيه العلمي القاطع في قضية خلافية واجهها المغرب مع غيره. يستنطق صفحات التاريخ المهمل، يستخرج منه معطيات فريدة يعزز بها رايه وموقفه بشأن الوحدة الترابية على سبيل المثال، لا الحصر.يتدخل في المنازعات الاقليمية والدولية في البر والبحر، يفاجئ المتنازعين بشهادته المعللة.
في هذا الصدد، اشتهر الفقيد بفتوحات وكشوفات معرفية اثارت الاعجاب حين الاعلان عنها. فعندما يزور المغرب، رئيس دولة صديقة او شقيقة، فانه ينقب في التاريخ عن دلائل مادية طريفة، لتبيان عمق العلاقات الضاربة في القدم بين المغرب وتلك البلدان، من الغرب والشرق، فتكون اثمن هدية تقدم للضيف الزائر.
شكلت معرفته التاريخية وثقافته الموسوعية ولغته الراقية في الكتابة والتحرير، عدته الدبلوماسية الأشد مضاء؛ فهي التي أنجحت سفارته لدى العراق في فترة تاريخية متقلبة بالنسبة للقطر الشقيق وجعلت منه دبلوماسيا شعبيا لا يحذر منه العراقيون.
التجربة الدبلوماسية في العراق، وقربه من المزارات الشيعية، واحتكاكه بالعلماء والمفكرين من سائر الاطياف والمذاهب، اقنعت الملك الراحل الحسن الثاني، بتعيينه سفيرا في طهران، بعد ثورة الخميني.
اعتقد الملك الراحل انه بعث لنظام الملالي،أفضل محاور رصين، ذي تجربة في جهاز الخارجية المغربية؛ لكن التازي المتحدث اللبق، التلقائي، والعالم المتبحر، والمجادل بالحجة الذكية. لم يجد في مقر عمله الجديد، محاورين مصغين ليتبادل معهم الافكار بهدوء وسلاسة.
ايران كانت تغلي، في بداية العهد الثوري. الملالي منشغلون بالتموقع الآمن والنافذ في أجواء صراع خفي ومحموم على السلطة، سمته البطش الدموي بالخصوم والتوجس المطلق من المؤيدين غير الموثوق بهم.
عاد التازي محبطا، وربما مصدوما من ايران، حزينا على نظام اسلامي توسم فيه الخير والعزة لأمته.
لم يفشل في مهمته، لانه لم يمارسها قطعا، كما كان يتمنى. أوصدت جميع الأبواب والسبل في وجهه من قبل أركان النظام الجديد.كأنهم قالوا له: لماذا أتيت؟ عد من حيث أتيت!!!
ولم يكن بمقدور السفير التازي، ان يشرح لحكام ايران، قصده وان المغرب لا يعادي التجربة الثورية الجديدة. فلا احد سينصت اليه ويصدقه بل لعله ادرك ان الجواب جاهز على ألسنة الملالي: انت ممثل نظام رجعي! أوى الشاه الطريد، وهذه كبرى الكبائر في اعتقادهم، في حين اعتبر التازي قبول لجوء الشاه الى بلاده، شيمة إسلامية.
جمع أوراقه وكتبه التي رافقته الى طهران. عاد الى الرباط. ربما كان يمني نفسه ان يمضي زمنا اطول في موطن الفردوسي وعمر الخيام. يتعلم لغتها ويغوص في اعماق مجتمعها، ويتعمق في فكر نوابغها للاطلاع على ما اسهموا به في اغناء الثقافة الاسلامية.
كانت تلك اخر مهمة دبلوماسية رسمية انيطت به، عوضها فيما بعد باسفار وجولات علمية في اعماق تاريخ امته، باحثا عن مكامن الضعف والقوة فيه، فهو الغني بالانتصارات المجيدة والاخفاقات المحزنة.
أوصى الراحل ان يدفن في مدينته فاس، ليس تعصبا وإنما الحنين للمكوث حيا وميتا في فضاء يقترن ماضيه في ذهنه بالحواضر الاسلامية الثقافية، مشرقا ومغربا، خلال العهود الزاهرة الغابرة.
ليرحمه الله رحمة واسعة.