الرئيسية / وجهات نظر / سطوة اليمين.. دلالات وتداعيات نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلية
د. نادية سعد الدين

سطوة اليمين.. دلالات وتداعيات نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلية

عكس توليفة “الكنيست” الإسرائيلي، المنتخب حديثاً، غلبة الثقل النيابي المعتبر للكتلة اليمينية الدينية المتطرفة، بحصولها على 67 مقعداً، من أصل 120، عقب نيل حزب الليكود، بزعامة بنيامين نتنياهو، 30 مقعداً، متقدماً بفارق ستة أصوات على منافسه “المعسكر الصهيوني” (حزب العمل سابقا)، ومخالفاً بذلك جل التوقعات، واستطلاعات الرأي الإسرائيلية المتباينة.
ولن يجد نتنياهو عناءً كبيراً في حال تشكيل حكومته الجديدة، للمرة الثالثة على التوالي، والرابعة منذ توليه المنصب لأول مرة (1996-1999). أما القائمة العربية المشتركة، التي شكلت القوة الثالثة في “الكنيست” بحصولها على 13 مقعداً، فإنها ستكون خارج حساب التشكيلة الحكومية، ولن تؤثر في مسارات القضايا المتصلة بالصراع العربي– الإسرائيلي أمام عتاة التطرف الإسرائيليين، ومواجهتها لأكثر من 54 قانوناً عنصرياً ضدّ الفلسطينيين العرب في فلسطين المحتلة 1984.
وإزاء الخريطة الإسرائيلية النيابية والحكومية، المتوقعة، للسنوات الأربع القادمة، ما لم تجر انتخابات مبكرة مماثلة، فإن خيار التقدم في مسار العملية السلمية سيضيق أكثر، إن لم ينعدم، بينما ستزيد سياسة الاستيطان والعدوان ضد الشعب الفلسطيني، وسيشغل التصعيد في جبهتي غزة والجنوب اللبناني، وفي الملف النووي الإيراني، عناوين المرحلة المقبلة، مما يشكل توتراً في علاقة التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، وضغطاً كثيفاً على الجانب الفلسطيني.

ثقل نيابي لليمين المتطرف:

أظهرت النتائج النهائية، غير الرسمية، لانتخابات “الكنيست” العشرين التي جرت في 17 مارس 2015، وأعلنتها لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية الخميس الماضي، ثقلاً نيابياً معتبراً للكتلة اليمينية الدينية القومية المتشددة في توليفة “الكنيست”، إذ يصطف إلى جانب الليكود (30 مقعداً) كل من الأحزاب التالية: “إسرائيل بيتنا”، اليميني المتطرف بزعامة أفيجدور ليبرمان، ونال 6 مقاعد، و”البيت اليهودي”، الديني القومي المتطرف المنتصر لغلاة المستوطنين، بزعامة نفتالي بينت، ونال 8 مقاعد، و”شاس”، حزب المتدينين “الحريديم” لليهود الشرقيين، برئاسة آرييه درعي، وحصل على 7 مقاعد، و”يهودوت هتوراه”، الديني القومي الأكثر تشدداً، وحزب المتدينين المتزمتين “الحريديم” لليهود الغربيين “الأشكناز”، ونال 6 مقاعد. وقد حصلت تلك الأحزاب في مجملها على 57 مقعداً.
ويعد حزب “كلنا” (كولانا)، الذي يجمع بين العقيدة الدينية القومية واليمينية المتشددة، برئاسة موشيه كحلون، وحصل على 10 مقاعد، بمنزلة “بيضة القبان”( الشيء الذي يرجح أي الكفتين) بالنسبة لنتنياهو عند انضمامه لائتلاف حكومي واسع يضمن له الاستناد إلى 67 مقعداً، وبالتالي تشكيل الحكومة بأريحية، إزاء ترجيح التوقعات مشاركته في الحكومة التي يتطلع لتسلم حقيبة المالية فيها.
فيما نال ما يسمى تيار اليسار والوسط 40 مقعداً، تضم كلا من: “المعسكر الصهيوني” (24 مقعداً) برئاسة إسحاق هرتسوغ من حزب “العمل” بالتحالف مع حزب “الحركة” برئاسة تسيبي ليفني، و”يوجد مستقبل” (11 مقعداً)، و”ميرتس” (خمسة مقاعد). وعند إضافة مجموع المقاعد الـ13 التي حصلت عليها القائمة العربية المشتركة، فإن العدد يرتفع إلى 53 مقعداً.
ومن المقرر إعلان النتائج الرسمية للانتخابات في الـ 25 من شهر مارس 2015. ويبدأ الرئيس الإسرائيلي بإجراء مشاورات مع قادة الأحزاب الفائزة بمقاعد في الكنيست، لاختيار المكلف بتشكيل الحكومة، وأمام الأخير مهلة 28 يوماً لإنجاز المهمة، ويستطيع الرئيس، عند الضرورة، تمديد المهلة بفترة إضافية لا تتعدى 14 يوماً.
ويتعين هنا على نتنياهو، الذي حظي حزبه بأعلى الأصوات، مدعوماً من الأحزاب الدينية اليمينية المتطرفة، في حال تكليفه بتشكيل الحكومة، حشد ائتلاف من عدد من الأحزاب والقوائم لجمع ما لا يقل عن 61 نائباً (نصف مقاعد الكنيست + 1).

سيناريوهات الحكومة المقبلة

لن يجد نتنياهو، في حال تشكيله الحكومة، عناءً مضنياً في مهمته، التي قد تتراوح بين الاحتمالات الرئيسية الآتية:
– حكومة ائتلافية يمينية دينية: وتضم كلا من: الليكود، و”كلنا”، و”البيت اليهودي”، و”شاس”، وإسرائيل بيتنا”، و”يهودوت هتوراه”، والتي تعدّ بالنسبة للمراقبين صاحبة الحظوة الكبرى، بحيث يضمن نتنياهو من خلالها الاستناد إلى 67 مقعداً، بما يعزز نيلها الثقة عند عرضها أمام “الكنيست”، مثلما تسمح له بتجاوز خوض المناورات السياسية، والتعرض إلى الضغوط المطلبية عند اللجوء إلى ضم أحزاب من خارجه ائتلافه اليميني الديني المحكم التشدد، من دون أن ينأى عنها بالمطلق، إذ يشترط ليبرمان تسلم حقيبة الخارجية لدى مشاركته فى الحكومة.
غير أن حكومة بتلك المواصفات لن تجد قبولاً مريحاً عند المجتمع الدولي، وهو ما عبرت عنه الإدارة الأمريكية عند تصريح المتحدث باسم البيت الأبيض، جوش إرنست، بأن “واشنطن ستعيد تقييم استراتيجيتها الدبلوماسية، وتراقب عن كثب تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة بزعامة نتنياهو”.
– حكومة يمين وسط: تضم كلا من: الليكود، و”يوجد مستقبل”، و”كلنا”، و”البيت اليهودي”، و”شاس”، و”يهودوت هتوراه”، والتي تضمن لنتنياهو الاستناد إلى 72 صوتاً، إلا أن حظوظها قليلة إزاء رفض حزب “يوجد مستقبل”، برئاسة يائير لبيد، المشاركة في حكومة تضم أحزاباً دينية، مثل “شاس”، و”يهودوت هتوراه”، على غرار الحكومة السابقة التي خلت منهما، وجرّت على نتنياهو إشكاليات وضغوطا ثقيلة من قبلهما في تأليب قاعدة مجتمعية معتبرة تنضوي في إطارهما.
– حكومة وحدة وطنية: تضم كلا من: الليكود، و”المعسكر الصهيوني”، و”كلنا”، و”شاس”، و”يهودوت هتوراه”، والتي تضمن الاستناد إلى 77 مقعداً، مما يجعلها الأكثر مطلباً وقبولاً بالنسبة للخارج. غير أنها تستثني “البيت اليهودي” من تشكيلتها، وهو أمر مستبعد، لأنه يشكل الداعم الأساسي بالنسبة لنتنياهو.
ورغم استبعاد هرتسوغ، بعد إعلان النتائج، مسألة مشاركته في حكومة وحدة وطنية، وتفضيله البقاء في صف المعارضة، أو التناوب على الرئاسة مع نتنياهو، فإن المراقبين لا يسقطون هذا الخيار من حسابات تشكيل الحكومة.
فحزب “العمل”، الذي غيّر اسمه إلى “المعسكر الصهيوني”، في واقعة تاريخية مثيرة للاهتمام، ليضم في صفوفه أعضاء سابقين منه، وليبراليين من الليكود، على غرار ليفني، يحاول إضفاء صورة الخروج المظفر من الانتخابات، بنيله 24 مقعداً بالتحالف مع ليفني، وذلك عند المقارنة برصيده المنفرد في انتخابات 2009 التي حصل فيها على 12 مقعداً، ومن ثم 15 مقعدا في انتخابات 2013، ولكنه أمر لا يغيّر كثيراً فى وضع حزب سيطر على مقاليد السلطة فى الكيان الصهيونى، منذ نشأته حتى عام 1977، ويسعى جاهداً منذ ذاك للالتصاق بها، أملاً فى استعادتها يوماً.
أما القائمة المشتركة، التي تضم في عضويتها أربعة أحزاب عربية تحالفت فيما بينها للمرّة الأولى من أجل تجاوز نسبة الحسم الانتخابية، ومواجهة مقولات عتاة المتطرفين الإسرائيليين، من أمثال ليبرمان وبينيت، فإنها ستكون في مجمل الأحوال خارج حساب النقاشات الدائرة حول تشكيل الحكومة.
وعلى الرغم من تمثيلها للقوة الثالثة في “الكنيست”، فإن تأثيرها في مسارات السياسة الإسرائيلية المتعلقة بالصراع العربي – الإسرائيلي سيبقى محدوداً، إذا ما قيضّ لها الاستمرار موحدة، وذلك أمام سطوة اليمينيين، والمتدينين، وغلاة ممثلي المستوطنين في “الكنيست”، وحكومة أشد تطرفاً برئاسة نتنياهو، وأمام معركة قوانين عنصرية متناسلة لأكثر من 54 قانوناً ضدّ الفلسطينيين العرب في فلسطين المحتلة 1948.

عملية السلام في الحساب الإسرائيلي

تضّيق توليفة “الكنيست”، وتشكيلة الحكومة الجديدة، برئاسة نتنياهو، من خيارات التقدم في مسار العملية السلمية، التي غابت عن المعركة الانتخابية الإسرائيلية، مما يعدّ عنصراً ضاغطاً على الجانب الفلسطيني، وعاملاً مضافاً لاستمرار علاقات التوتر الأمريكية – الإسرائيلية حتى نهاية ولاية الرئيس باراك أوباما (يناير 2017)، بينما قد تبقى نزعة التصعيد في جبهتي غزة، والجنوب اللبناني، وفي الملف النووي الإيراني مفتوحة على كافة الاحتمالات، لتشكل معاً عناوين المرحلة المقبلة.
ولن يؤثر شكل الحكومة القادمة كثيراً في مسار تلك الملفات، خلا تسيير الجزء الحيوي الأبرز من الانشغال الإسرائيلي صوب القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تصدى لها “المعسكر الصهيوني” في حملته الانتخابية. وما عدا ذلك، لا يجد الاحتلال مسوغاً للمضيّ قدماً في إحداث تقدم على المسار السياسي التفاوضي، أمام اختلال موازين القوى لمصلحته، وانتفاء القلق الوجودي الذي صاحبه، منذ بدء حراك التغيير العربي، في ظل التطورات والتفاعلات الجارية بالمنطقة.
وقد حسم نتنياهو تلك المعادلة مبكراً عند التراجع عن مضمون خطاب ألقاه أمام جامعة “بار إيلان”، معقل اليهود المتدينين “الحريديم”، عام 2009، حول “حل الدولتين”، وذلك بتأكيد أنه “لن يسمح بإقامة الدولة الفلسطينية، وسيستمر في الاستيطان”، بذريعة أن الانسحاب من الأراضي المحتلة سيهدد باستيلاء تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بـ”داعش” عليها. وعلى الرغم من تراجعه “المراوغ” عنها، فإن الإدارة الأمريكية، أسوة بالسلطة الفلسطينية، لم تأخذاه على محمل الجدية.
ولا يتمايز “المعسكر الصهيوني” في ذلك عن الليكود، إزاء تصريحات هرتسوغ، قبل موعد الانتخابات بأسبوع، التي أكد فيها أن “الكتل الاستيطانية الكبرى ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية”، مما يعني بقاء أكثر من 650 ألف مستوطن ضمنها في أراضي الضفة الغربية التي من المفترض أن تشكل، بالإضافة إلى قطاع غزة، مساحة الدولة الفلسطينية المنشودة.
فعلى الرغم من أن بعض اليسار الإسرائيلى يزعم علناً تصالحه مع فكرة إقامة دولة فلسطينية، فإنه يرفض تقديم تنازلات تتعلق بالأراضى المحتلة اللازمة لإقامة الدولة، وسط تغييرات مستحدثة فيها لا يمكن أن تؤدى معها إلى دولة.
أما احتساب حزب “يوجد مستقبل” إلى كتلة اليسار والوسط، لعلمانيته التي قد تخلق انطباعاً مغلوطاً بذلك، فهذا غير دقيق، إذ يقود لبيد، الذي شارك في الحكومة اليمينية السابقة، حزباً يمينياً، معلناً رفضه تقسيم القدس، وحق العودة، وتأييد ضم الكتل الاستيطانية الكبرى للجانب الإسرائيلي، ولكنه يدعو لاستئناف المفاوضات على قاعدة ما يتبناه من “لاءات”.
في حين تتخذ الأحزاب الدينية اليمينية موقفاً أشد تطرفاً تجاه القضية الفلسطينية. ففى المحصلة، ترفع الأحزاب والقوى الإسرائيلية، بمختلف توجهاتها اليسارية، واليمينية، والدينية، “لاءات” العودة إلى حدود 4 يونيو (حزيران) 1967، وتقسيم القدس، وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين ووقف الاستيطان، مقابل الحديث عن دولة فلسطينية منقوصة السيادة ومنزوعة السلاح، لا تخرج عن إطار حكم ذاتي معني بالشئون الحياتية والمدنية للسكان. أما الأمن والسيادة، فموكولان للاحتلال.
ويشير ذلك لمزيد من سياسة الاستيطان، والتهويد، والعدوان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، مقابل غياب جدية الالتزام بالمسار التفاوضي، مما قد يلقي بظلاله السلبية على العلاقة مع الإدارة الأمريكية، التي اتسمت بتوتر ملحوظ، أخيرا، حول الملف النووي الإيراني، فيما بلغ ذروته خلال زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة، أثناء حملته الانتخابية، وإلقائه خطاباً في الكونجرس بمقاطعة الجمهوريين، مثلما تجسدت، عبر تصريح المتحدث باسم البيت الأبيض، بأن واشنطن” ستعيد تقييم” سياستها، على خلفية تصريحاته الرافضة لحل الدولتين. وقد يؤدي تشكيل نتنياهو لحكومة يمينية دينية متطرفة إلى استمرار علاقات التوتر بين الطرفين.
أما السلطة الفلسطينية، فقد سارعت، فور إعلان فوز نتنياهو في الانتخابات، إلى تأكيد مسارات تحركها المقبل بتكثيف الحملة الدبلوماسية، وتنفيذ قرارات المجلس المركزي، الذي عقد أخيرا في رام الله، حول وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، ومراجعة الاتفاق الاقتصادي المبرم معه، وتعزيز مقاطعته، على كافة المستويات، والمضي في مسار المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة مرتكبي الجرائم الإسرائيلية، وتحقيق المصالحة، ودعم صمود المقاومة الشعبية ضد إجراءاته العدوانية بحق الشعب الفلسطيني.
وفي المحصلة، فقد عززت الانتخابات الإسرائيلية من سطوة التيار اليميني الديني المتطرف وسط داخل إسرائيلي منجرف أكثر نحو العنصرية والغلو، بينما لن يقيّض لمسار العملية السلمية التقدم، خلا تحركات غربية، أمريكية، نشطة تدخل في إطار إدارة الصراع، وليس إنهاءه، ما يستدعي استراتيجية فلسطينية موحدة لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في المجلس المركزي، تزامناً مع تحقيق المصالحة، وإنهاء الانقسام، وترتيب البيت الداخلي، بدعم عربي إسلامي، في مواجهة عدوان الاحتلال.

*صحفية وباحثة من الأردن