الرئيسية / وجهات نظر / مع معمر القذافي وقطيع جماله في خيمته
AZRAJE OMAR

مع معمر القذافي وقطيع جماله في خيمته

في الحلقة الماضية ذكرت أنني عشت كثيرا من التجارب والمفاجآت في فترة التسعينات من القرن الماضي وأنا أقارع صقيع الغربة، وعواصف المنفى، ومن بين هذه التجارب ذلك اللقاء الذي جمعني بالعقيد معمر القذافي في خيمته بسرت ودام ساعتين بالكامل على نحو مفاجئ. ولقد حدثت هذه المفاجأة عندما كنت في ليبيا لإجراء تحقيق صحفي لصالح جريدة ” العرب الدولية ” التي كنت أعمل فيها عن أثار الحصار الغربي المضروب على الشعب الليبي بسبب الاتهام الموجه للنظام الليبي بأنه هو الذي كان وراء تفجير الطائرة التابعة لشركة بان أمريكان في يوم 21 ديسمبر 1988م فوققرية لوكربي الاسكتلندية ببريطانيا، وتوفي في ذلك الحادث ركاب الطائر البالغ عددهم 259 أنسانا فضلا عن 11 عشر أفراد مدنيين من سكان تلك القرية. قبل الانطلاق إلى ليبيا بأسبوع كنت قد التقيت مع الأمين العام للاتحاد المغاربي السيد محمد عمامو لفترة (1991م – 2002م) في فندق بوسط لندن وأجريت معه حوارا مطولا، و تحدثنا فيه عن الحصار المضروب على ليبيا وعن دور الاتحاد المغاربي في حل ذلك المشكل الذي كان يؤرق الشعب الليبي. فهمت من السيد عمامو أن المسألة كانت معقدة جدا وأن كل ما كان يمكن أن تفعله دول الاتحاد المغاربي وخاصة تونس والجزائر المجاورتين للجماهيرية الليبية هو السماح للتجار التابعين للمجتمع المدني بنقل مختلف البضائع والأدوية عبر الحدود بطرق سرية مختلفة وذلك بعيدا عن رقابة الدول الغربية التي استصدرت قرار الحصار. وهنا سألت السيد عمامو : ” هل يعني هذا أن الاتحاد المغاربي هو مجرد تنظيم شكلي لا يحل ولا يربط وأنه عاجز أن يفاوض القوى الغربية وأن يكسر الحصار”؟ حاول الرجل أن يلتف على سؤالي وراح يحدثني عن اتصالاته ببعض الدول الصديقة لليبيا لكي تقوم بالمساعي لإيجاد حل سريع لتلك المشكلة بما يؤدي إلى تسوية عادلة. في تلك اللحظات أدركت أن جامعة الدول العربية وغيرها من الهيئات والتنظيمات التابعة لها لا معنى لها في الواقع بل فهي قد حولت إلى مناصب للسياسيين والدبلوماسيين العرب المتقاعدين والمتخمين مكافأة لهم على خدماتهم وأغلبها في الواقع ليست سوى الضحك على مواطنينا من المحيط إلى الخليج.
بعد هذا اللقاء وبعد نشري للحوار الذي أجريته معه دعاني مؤسس ورئيس مجلس إدارة جريدة ” العرب الدولية ” أحمد الصالحين الهوني إلى مكتبه واقترح عليَ أن أسافر إلى ليبيا لإجراء تحقيق مفصل عن الكوارث الانسانية والاقتصادية التي تسبب فيها ذلك الحصار لنشره ثم إرسال نسخة منه إلى الجامعة العربية وأخرى إلى أمانة الاتحاد المغاربي لاستعماله كوثيقة حية. حدثت السيد الهوني عن مخاوفي من نظام العقيد القذافي وذكرته بأن ذلك النظام قد سبق له أن طردني من ليبيا في عام 1981م، مع وفد الكتاب الجزائريين، على متن طائرة خاصة كانت تحمل شارات سعودية وقذفت بنا على نحو غير متوقع في مطار قرطاج الدولي التونسي بسب مطالبتنا بإطلاق سراح 14 كاتبا وإعلاميا ليبيا اتهموا حينذاك بالانتماء سرا لتيار يساري كان يخطط للإطاحة بنظام العقيد. بعد ساعة من هذه الجلسة تقدم إليَ السيد احمد الهوني وأعلمني أنه قد اتصل بالجهات المسؤولة في الجماهيرية وأنه ليس هناك مانع يمنعني من دخول الأراضي الليبية للقيام بالعمل الصحفي الخاص بكشف أثار الحصار الوخيمة. في اليوم التالي ركبت الطائرة وتوجهت إلى تونس ومن تونس سافرت برا على متن سيارة باتجاه طرابلس وكانت تلك المرة الأولى في حياتي أرى فيها مدينة زوارة الأمازيغية التي قصدتها عن عمد. في اليوم التالي من وصولي استقبلي محمود البوسيفي مسؤول الاعلام الخارجي في ذلك الوقت الذي كانت تربطني به من قبل الصداقة، كما التقيت بوزيرة الثقافة والشاعرة والروائية الليبية فوزية شلابي لعدة دقائق قضيناها في الحديث عن الشعر ثم افترقنا ولم أرها منذ ذلك الوقت حتى ظهرت في وسائل الاعلام بعد الاطاحة بالقذافي وهي في قبضة الميليشيات المدعوة بالثوار مطأطأ الرأس، ومكسورة الجناح.
قبل الشروع في التغطية الصحفية وتعقب مآسي المواطنين والمواطنات جراء الحصار الذي عزل ليبيا عن العالم لفترة طويلة قدمني مسؤول ليبي كان يعمل بوزارة الخارجية إلى سيدة فرنسية وعرفت منها ومنه أنها زوجة السفير الفرنسي في ليبيا. بعد أخذ ورد أخبرتني أنها بصدد كتابة كتاب عن القذافي وأرادت مني أن أطلع على بعض ما جاء فيه،وكانت في الحقيقة تريد أن اكتب مقالة عنه عند صدوره. أخبرت زوجة السفير الفرنسي أنني أعرف حسناء بريطانية فائقة الجمال، وتشتعل ذكاء، وأنهافي منتصف الثلاثينات من عمرها كنت قد التقيت بها في مكتبة الساقي بلندن صدفة، وأنه بعد التعارف وتطور الصداقة بيننا علمت منها أنها بصدد انجاز كتاب عن حياة العقيد القذافي أيضا. قلت لها بأنني قد زرت هذه الحسناء في بيتها عدة مرَات و شكت لي من نقص المراجع. وأنا أتأمل وجهها الفرنسي الشاحب قليلاأحسست أن زوجة السفير الفرنسي غير مرتاحة لهذه المعلومة التي سمعتها من فمي، وأوَلت ذلك أن النساء يغرن من بعضهن البعض، وقلت في نفسي على سبيل المزاح : ” ها هو القذافي ينقل معركته المخملية إلى النساء الغربيات نكاية في أعدائه الحكام الغربيين الذكور”. في الدقائق الاخيرة من لقائنا زودتني بعنوانها ورقم هاتفها ثم افترقنا وذهب كل واحد منَا في طريقه. بعدئذ قضيت أسبوعا كاملا في زيارة القرى، والمدن الليبية راصدا معالم مأساة الحصار، كما تحدثت مع عشرات المواطنين والمواطنات الليبيين والليبيات وسجلت عددا كبيرا من التصريحات، وصورت أمواج الزحام في المستشفيات، وسجلت صرخات المرضى ونهم في أسرَتهم يعانون من انعدام الدواء ومن تفاقم أمراضهم. قبل أن استكمل عملي الصحفي دعيت من طرف مسؤول ليبي إلى حضور ندوة أدبية في مدينة سرت قال لي أنها مخصصة لدراسة كتاب سردي، روَج له أنه من تأليف القذافي، ويحمل عنوان:” القرية القرية، الأرض، الأرض، وانتحار رائد الفضاء، وقصص أخرى”. أعجبتني الفكرة وحرضني الفضول فذهبنا معا من طرابلس إلى سرت حيث كان موقع انعقاد تلك الندوة، و حينما وصلنا وجدناأنفسنا في قاعة متواضعة مزودة بالميكروفونات والكاميرات التي قيل لي أنها ثبَتت هناك لنقل أعمال الندوة تلفزيونيا وعلى المباشر ليتابع العقيد مدَها وجزرها وهو جالس على أريكته في المقر الذي كان يقيم فيه. وجدت في القاعة عددا من المحاضرين النقاد والكتاب العرب المعروفين المدعوين رسميا منهم الناقد السوري محي الدين صبحي، والكاتب والصحفي التونسي الذي عاش فترة في الجزائر صافي السعيد، وإعلامية مصرية نسيت اسمها وكانت تصدر مجلة “شبابيك ” في قبرص، وعددا من الشعراء والكتاب العرب غير المشهورين، فضلا عن أدباء ليبيين وفي مقدمتهم الشاعر صدقي عبد القادر والروائي الليبي المعروف عربيا الدكتور أحمد ابراهيم الفقيه وغيرهم كثير. في تلك القاعة سمعت كثيرا من التقريظ عن أدباء عرب منهم أدباء جزائريون قد دبجوا سابقا محاضرات وألقوها في القاعة ذاتها عن “الحداثة” و”نزعة المقاومة” في “أدب القذافي”، وها هم الآن يخفون كل ذلك، ومنهم الكثير من انقلب وصار يدينه ويتحدث عنه كديكتاتور قامع للحريات. بدأ الندوة وفي خضم احتدام التناوب على إلقاء المحاضرات والمداخلات حول كتاب ” القرية القرية، الأرض، الأرض، وانتحار رائد الفضاء، وقصص أخرى” نشبت معركة بدون أي سبب وجيه بين السيد محي الدين صبحي الذي كان في المنصة يلقي محاضرته عن ” اللاوعي الجمعي والعرق في أدب القذافي ” والكاتب التونسي صافي السعيد. بدأت تلك المعركة بوابل من المقاطعات ثم تكللت بالشتائم، وانتهت بالضرب بالكراسي الأمر الذي نشر الرعب في القاعة التي تحولت إلى موقعة “داحس والغبراء”. في تلك الدوامة قالت لي الصحفية المصرية المذكورة آنفا بأن سبب نشوب تلك المعركة هو سيناريو مقصود من أجل لفت أنظار العقيد القذافي، وأن الخلاف حول ” أدبه ” بتلك الطريقة يمكن أن يؤدي به إلى منح مبالغ مالية للمتحاربين حتى يسوي النزاع بينهم بالحسنى. ضحكتحتى كدت أن أفقد وعييفنظرت إليَ بجدية صارمة وأكدت لي أن الذي كانت تقوله لي صحيح،وأن الأموال قادمة بإذن الله. حينما هدأت العاصفة بين الاديبين الناقدين رأيت رجلا ليبيا يهرول ثم نادى علينا أن نتوجه فورا إلى الحافلة الضخمة التي كانت واقفة بجانب قاعة المحاضرات، فامتثل الجميع لطلبه، وراح سائقها يدفع ببطء بها في طريق معبأة مغطاة بالرمل، وأحيانا كان يسرع قليلا. لم يكن أحد منَا يعرف إلي أين كان يقودنا ذلك السائق،ولماذا، وبعد مسافة لفحتنا خلالها رياح الصيف الصحراوي الساخن أوقفالحافلة، ورأينا من نوافذها خيمةكبيرة الحجم منصوبةأسفل الطريق في مكان لا شجر، ولا حجر فيه ما عدا كثبان الرمال القصيرة القامة. دعينا إلى النزول فنزلنا، ووجَهنا إلى تلك الخيمة وبداخلها جلسنا على الارض ورمالها الحارقة، وماهي إلاَ نصف ساعة أو أكثر بقليل حتى رأينا من خلال ثقوب الخيمة قطيعا من الجمال يسوقها رجل كان يحمل بيده مظلة مفتوحة، وهو يسير باتجاه الخيمة، وقليلا قليلا اقتربت الجمال منَا وكان خلفها ذلك الرجل الذي اتضح لنا، لما دلف إلى الخيمة بسرعة أسطورية على طريقة ممثلي هوليود، أنه العقيد القذافي بلحمه ودمه. جلس العقيد على كريس مخصص له فقط، وراح يروي لنا قصصا عن صراعه مع الغرب، وعن مواهبه الادبية، ورأيه في الادب العربي وغيرها من القصص المثيرة والتي لا تقل غرائبية عن طريقته في ترك الخيمة فجأة، وهذا ما سأروي تفاصيله في المقال القادم.

* كاتب جزائري/”الشروق”