الرئيسية / وجهات نظر / عن دامس.. فرع داعش بالمغرب العربي
436x328_61200_133204

عن دامس.. فرع داعش بالمغرب العربي

يكاد متتبعو “الظاهرة الجهادية”، باحثون ومراكز دراسات، وإعلاميون وأمنيون نافذون، يجزمون بأن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قد بات قاب قوسين أو أدنى من افتتاح فرع له في المغرب العربي، اختير له مسمى تنظيم “الدولة الإسلامية في المغرب الإسلامي” (دامس)، يكون له بمثابة الممثل الإقليمي بشمال أفريقيا، بالبحر المتوسط وبأفريقيا جنوب الصحراء. وشاهدهم على ذلك معطيان أساسيان:
– الأول توافر أعداد ضخمة (ضمن مقاتلي داعش بالعراق وسوريا) من دول المغرب العربي، لا سيما من المغرب والجزائر وتونس وليبيا، على استعداد للالتحاق بفرع التنظيم بمنطقتهم، لتعضيد الفرع قطريا، وضمان انتشاره وتوسعه جغرافيا بذات المنطقة أو بربوع باقي دول الإقليم، لا سيما بجهة أفريقيا جنوب الصحراء.
– أما الثاني فيتمثل في الجاذبية الكبرى التي بات يمارسها خطاب تنظيم داعش بمواقع التواصل الاجتماعي (على فيسبوك وتويتر، وأيضا على مواقع يوتوب ودايلي موشيون)، ومستوى التجاوب المرتفع الذي يلقاه ذات الخطاب لدى “الجهاديين” المفترضين -أو الافتراضيين بلغة أهل الشبكات الرقمية- الذي يراهن عليهم التنظيم إياه بحكم تواجدهم في “أرض المعركة”، وتمرسهم على تضاريسها وساكنتها وثقافاتها.
“تقول تقارير استخباراتية إن بلدان المغرب العربي ستكون لا محالة “منصة تمركز إستراتيجية لداعش.. وستكون الأرض الخصبة الموعودة لقادة الدولة الإسلامية”، من تلقاء حركية هذه الأخيرة، إذا تسنى لها “النجاح النهائي” في العراق وسوريا، أو قسرا في حال نجاح التحالف الدولي في محاصرتها ”
هما مؤشران موضوعيان وإلى حد بعيد، لكن الذي يضفي عليهما خاصية الكفاية (لأنهما غير كافيين في حد ذاتهما لتثبيت الاستنتاج أعلاه) إنما تصريحات العديد من المضطلعين بالملفات الأمنية، بهذا البلد المغاربي أو ذاك، بهذا الخصوص.
يقول مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، بالمباشر الذي لا يقبل التأويل، إن “ثمة تقارير تفيد بأن بعض المجموعات الإرهابية التابعة للدولة الإسلامية قد بدأت تتحرك في منطقة شمال أفريقيا. لذا علينا العمل على عزلها ومحاربتها، وهذا سبب آخر وجيه يدفع الأطراف المتنازعة في ليبيا إلى التوافق والاتفاق”.
وتقول تقارير استخباراتية أخرى إن بلدان المغرب العربي ستكون لا محالة “منصة تمركز إستراتيجية لداعش.. وستكون الأرض الخصبة الموعودة لقادة الدولة الإسلامية”، من تلقاء حركية هذه الأخيرة، إذا تسنى لها “النجاح النهائي” في العراق وسوريا، أو قسرا في حال نجاح التحالف الدولي في محاصرة “دولة الخلافة”، وتمزيق مفاصلها ببلاد الرافدين وبلاد الشام، ومن ثمة تشتيت أعضائها هنا وهناك، ودفعهم للبحث عن مجالات أخرى أكثر أمنا وأمانا.
ولعل ما يعطي هذه الفرضية عمقا حقيقيا وإمكانية تحقق معتبرة، إنما مراهنة تنظيم داعش على فرعه بالمغرب العربي لبسط أيديولوجيته “الجهادية”، والدفع بها حتى تخوم نيجيريا بقلب الصحراء الأفريقية الكبرى، حيث يوجد للتنظيم “أتباع” وجماعات تركب ناصية أسلوبه، ولم يعد بينها وبين التنظيم إياه إلا تقديم البيعة والتعبير عن الطاعة. وقد تم له ذلك بإعلان تنظيم “بوكو حرام” النيجيري البيعة لأبي بكر البغدادي منذ أقل من أسبوع.
وإذا كان ثمة من تفسيرات لهذا الزحف الكبير، وبهذه الوتيرة المتسارعة والمتوالية، فيبدو أنه يجب البحث عنها في تقاطع ثلاثة معطيات ذات دلالة تحليلية عميقة:
– أما المعطى الأول فيكمن في الانتصارات السريعة التي حققها تنظيم داعش منذ فرض سيطرته على الموصل ومناطق أخرى من العراق، ليصل بـ”خلافته” إلى تخوم مدينة حلب بسوريا بعد إسقاطه محافظة الرقة، ثم امتداده حتى منطقة عرسال اللبنانية، حيث توجد الأغلبية السنية التي يراهن التنظيم على خطب ودها بالبداية، ثم ضمان ولائها فيما بعد، ثم شحن همتها وقابليتها بعد ذلك للقبول بـ”دستور الخلافة” والأيديولوجية الناظمة لمفاصل دولته القادمة.
هو مكسب على الأرض قد لا يعتد به كثيرا بميزان الحسابات الجيوإستراتيجية، لكن أهميته رمزية ومعنوية بالنسبة لتنظيم لا قيمة للحدود الجغرافية في أيديولوجيته، ولا اعتبار لديه لما قد تكون الدول أو الحكومات فما بالك بالجيوش.
ولذلك، فإن تنظيم داعش عندما قرر توسيع جبهات “فتوحاته” إلى المغرب العربي، فإنما بالاتكاء على هذا البعد الرمزي والمعنوي، الذي بفضله وبالارتكاز عليه أعلن “خلافته” على بلاد الرافدين وبلاد الشام.
– المعطى الثاني الذي أدى إلى إنشاء دامس يتمثل في فشل دول ما بعد “الربيع العربي”، وتحول معظمها إلى حلبة للصراع والاحتراب بين مليشيات من أطياف مختلفة، لا سيما المليشيات التي تدثرت بالدين الإسلامي لفرض سلطتها وسطوتها، ومن ثمة تصريف أيديولوجيتها إذا لم يكن بمجمل أطراف البلد الواحد، فعلى الأقل على الجزء المتاح منه.
ولهذا السبب، فإن افتتاح داعش لفرع لها بالمغرب العربي إنما أذكاه الجموح والطموح لضمان موطئ قدم لها ببلدان (لا سيما ليبيا وأجزاء من تونس والجزائر) باتت الفوضى العامة والشاملة السمة الأبرز لمسارها وكينونتها. ولهذا السبب أيضا اختارت داعش أن تكون ليبيا هي منصة الانطلاق، بحكم بيئة الفوضى التي لا يستطيع المرء في ظلها تعيين العدو من المناصر.
– أما المعطى الثالث لظهور دامس فيبدو لنا كامنا في المسلمة التي أضحت لدى داعش قناعة ثابتة، ومؤداها أن التنظيمات الإسلامية الفاعلة بهذه المنطقة، وضمنها حتما وحصرا وتحديدا تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، لم تعد ناجعة، فما بالك أن تكون قادرة على تجسيد أسس الدولة الإسلامية التي كانت تدعي العمل لبلوغها، فباتت -إما بحكم ترهلها وكثرة الانشقاقات من بين ظهرانيها، أو بحكم محاصرة الأنظمة القائمة لها- متجاوزة في خطابها وأسلوبها، وغير قادرة على الاستمرار في تجسيد مشروعها أو على الأقل ترجمة بعض منه على الأرض.
وعلى الرغم من أن داعش (مع تنظيم النصرة بسوريا تحديدا) أو دامس (مع تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي) لم يعلنا الحرب على تنظيم القاعدة ببلاد العراق والشام أو على تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، فإن طبيعة “الاحتكاكات” بين بعضهم بعضا تشي جدلا وحتما بأن داعش وأيضا دامس لن يرضيا بوجود تنظيم “مواز” لهما، أو منافس لأيديولوجيتهما أو مزايد على مشاريعهما في الزمن وفي المكان.
تقول أدبيات داعش في هذا الباب إن “أبناء الجماعات الجهادية العاملين في الساحة إخوة في الدين، ولا نرميهم بكفر أو فجور. إلا أنهم عصاة لتخلفهم عن واجب العصر، وهو الاجتماع تحت راية واحدة”، راية خلافة داعش وراية البيعة “لخليفة المسلمين” أبي بكر البغدادي.
بيد أنه لو كان لنا أن نضع عناصر القراءة السابقة في سياق ما جرى ويجري على مستوى كل بلد مغاربي على حدة، فسنخلص إلى القول التالي:
– إن ليبيا هي منصة الانطلاق، بما معناه أنه ما دام العديد من “المجاهدين” الذين كانوا بصفوف تنظيم “النصرة” بالعراق وسوريا قد اختاروا العودة لبلادهم، فإن انضمامهم لداعش (في إطار حركة “أنصار الشريعة”) قد فسح لهم المجال للقتال إلى جانب حركات سلفية أخرى، بغرض الاستيلاء على المدن الليبية الإستراتيجية، ثم آبار النفط، جريا على عادة التنظيم بالعراق والشام، حيث يعد الاستيلاء على حقول النفط وبيعه بأسعار متدنية أهم مصدر لتمويل أركان التنظيم ومفاصله.
إن اختيار ليبيا منصةً لإطلاق تنظيم دامس إنما مدعاته توافر مصادر التمويل السهلة، وباعتبار ليبيا البيئة الحاضنة لعناصر التنظيم القادمة من العراق وبلاد الشام، وكونها المعبر الجغرافي المناسب للتحرك صوب أفريقيا جنوب الصحراء، لا سيما باتجاه مالي والنيجر وتشاد ونيجيريا مرورا بموريتانيا حيث الصحراء الواسعة، “مجال” التمركز والتموقع وتحريك العصابات.
صحيح أن لداعش تنظيمات (من قبيل “أنصار الشريعة” و”تنظيم البتار”) استطاعت استقطاب العديد من “المجاهدين”، إذا لم يكن لضمان الامتداد “للخلافة”، فعلى الأقل لمواجهة قوات خليفة حفتر الذي أعلن الحرب عليها، إلا أن التطور المهم في هذا الباب إنما هو إعلان جماعة “مجلس شورى شباب الإسلام” تأييدها وبيعتها لتنظيم البغدادي، ومراهنتها على تجميع كل التنظيمات في بوتقة دامس في ليبيا، لتكون مرجعية باقي تنظيمات المغرب العربي ودول أفريقيا جنوب الصحراء.
– إن تونس هي نقطة عبور التنظيم. لتونس، بالنسبة لتنظيم داعش، أهمية جيوإستراتيجية كبرى، ليس فقط كونها قلب جغرافية المغرب العربي، ولا لكونها عاشت وتعيش فترة انتقال سياسي عصيبة، ولكن أيضا لأنها فضاء اشتغال العديد من “التنظيمات الجهادية” التي تصلب عودها بعد عودة العديد من المقاتلين التونسيين من العراق وسوريا، والتحاق آخرين بها (من جنسيات جزائرية وموريتانية ونيجيرية وغيرها).
صحيح أن العديد من التنظيمات لا تزال تدين بالولاء لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وضمنها “كتيبة عقبة بن نافع”، لكن انشقاقها عن التنظيم/الأم ومبايعته مؤخرا لتنظيم داعش، يشي بأن تونس ستكون دون شك نقطة تجمع كبيرة للمقاتلين القادمين من شرق البلاد كما من غربها ومن جنوبها.
يقول بيان منسوب لـ”كتيبة عقبة بن نافع” نشر أخيرا إن “الإخوة المجاهدين في كتيبة عقبة بن نافع يدعمون بقوة ويبايعون تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ويدعون إلى التقدم وتجاوز الحدود وتحطيم عروش الطغاة”.
تونس إذن هي محطة أساسية بالنسبة لتنظيم داعش، لكنها بالآن ذاته نقطة عبور لبلدان المغرب العربي الأخرى، لا سيما الجزائر، حيث التنسيق قائم مع “تنظيماتها”، وكذلك موريتانيا ثم نيجيريا وباقي بلدان الصحراء الأفريقية.
– إن الجزائر هي “خزان الجهاديين”، لا سيما بعد العشرية السوداء التي عاشتها البلاد في ثمانينيات القرن الماضي، وبروز تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي من بين ظهراني جبالها وأدغالها. إلا أن انشقاق جماعة “جند الخلافة في أرض الجزائر” عن تنظيم القاعدة ومبايعته داعش، يشي بقوة جاذبية هذا الأخير وتصميمه على تقويض تنظيم القاعدة واستمالة عناصره لفائدته.
يقول أمير منطقة الوسط الجزائري في تنظيم القاعدة خالد أبو سليمان، في بيان تداولته العديد من “المواقع الجهادية”، مخاطبا البغدادي: “إن لكم في مغرب الإسلام رجالا لو أمرتهم لأتمروا، ولو ناديتهم للبّو، ولو طلبتهم لخفوا”، مؤكدا أن تنظيم القاعد/الأم وفرعه في المغرب العربي “حادا عن جادة الصواب”.
– أما المغرب، وعلى الرغم من بعده الجغرافي عن مركز “خلافة داعش”، فلم يسلم مع ذلك من تهديدات البغدادي له، وتوعده له بتحويله إلى “ساحة حرب”. ومما يعطي هذه التهديدات أهمية كبرى كون تنظيم داعش بالعراق وسوريا يضم من بين أعضائه المئات من المقاتلين المغاربة، منهم من يتبوأ الصفوف الأولى في التنظيم ولا يتوانى عن التعبير عن استعداده لترتيب أعمال إرهابية ببلده/الأصل.
ولعل تفكيك أجهزة الأمن المغربية للعديد من الخلايا النائمة (لا سيما بشمال البلاد حيث الخزان الذي اغترفت منه داعش في بداياتها الأولى) دليل قاطع على أن التنظيم جاد في تهديداته، ولا ينتظر إلا توفر الظروف لتنفيذ وعيده.
ليس ثمة من شك إذن أن داعش إنما تسير باتجاه هيكلة فرعها بالمغرب العربي، وتعضيد مفاصله ليصبح القوة الضاربة بشمال أفريقيا والمتوسط وأفريقيا جنوب الصحراء. ولا يبدو أن ثمة ما يمنع حقا من أن تصبح دامس فاعلا محوريا بالمنطقة، قد لا يتعذر على الجيوش النظامية ردعه، لكن دون القدرة على تجريف التربة التي استنبتته واحتضنته.

*كاتب وأكاديمي مغربي/”الجزيرة