الرئيسية / وجهات نظر / عطلة الشخصيات المهمة في تونس
f45c67357622c31d6c1b01b85dd4b5e3

عطلة الشخصيات المهمة في تونس

سبعون صحافيا من مختلف الدول الاوروبية امكنهم نهاية الاسبوع الماضي ان يقضوا عطلة ‘ملكية’ في اعماق صحراء تونس، بعدما تلقوا دعوة سخية من وزارة السياحة، ضمن حملة تسويقية اطلقتها قبل ايام. البرنامج الذي كان بانتظارهم حمل اسم ‘ويك اند فيب’ اي عطلة نهاية اسبوع للشخصيات المهمة، وهدفه بحسب ما صرح به مندوب السياحة في الجنوب، هو ‘الترويج للوجهة السياحية الصحراوية بالجهة، من خلال تأمين رحلة لأعماق الصحراء لفائدة مجموعة من الصحافيين القادرين على نقل الصورة الحقيقية للسياحة الصحراوية ببلدانهم، وبالتالي تشجيع السياح على التوافد على تلك المناطق’.
اختيار الصحراء لم يكن بالامر العبثي، فبمجرد اعلان اجزاء واسعة منها مناطق عسكرية مغلقة، بفعل ما تشهده الحدود مع لييبا من انفلات امني وعمليات واسعة لتهريب السلاح وتكرر تحذيرات السفارات الغربية لرعاياها من مخاطر الاقدام على زيارة مثل تلك المناطق، انخفضت ارقام الوافدين اليها من الاجانب بشكل قياسي غير مسبوق، فيما بقي الاستثناء الوحيد لذلك تقريبا هو جزيرة جربة التي كثيرا ما تصفها منشورات السياحة بجزيرة الاحلام.
ضمن نفس الوفد الصحافي الزائر امكن التفطن بصعوبة الى وجود محدود لبعض الصحافيين المحليين. اما العشرات منهم، اي من ابناء البلد ممن ينتسبون لنفس مهنة المتاعب، فلم تكن عطلة نهاية اسبوعهم على نفس القدر من الراحة والسعادة، وذلك بعد ان تعرضوا لاعتداءات بدنية ومعنوية بالغة الحدة والقسوة، فور ان قدموا مساء الجمعة الماضي لساحة القصبة قصد تغطية مظاهرة وصفتها وزارة الداخلية بغير المرخص فيها، لانصار رابطات حماية الثورة المحتجين على اعتقال واحد من وجوههم المعروفة. لم تفرق قوات الامن التي كانت في حالة هستيرية غير مفهومة بين من قدم للتظاهر في ذلك المساء، ومن جاء لغرض نقل وتصوير ما يجري، والنتيجة كانت الا قيمة ولا معنى لمن حمل بطاقة صحافي او من لم يحملها، مادام غضب الشرطة وجنونها قد طال جميع الموجودين بلا استثناء او تمييز.
استقدام صحافيين غربيين واستضافتهم في افخم الفنادق وتنظيم رحلات وزيارات ترفيهية لهم داخل المنتجعات السياحية في تونس، هو تقليد قديم ومعروف استخدمته السلطات لعقود طويلة، كاسلوب للترويج السياحي، لكن الاعتداءات على الصحافيين اصبحت هي ايضا على ما يبدو ‘تقليدا راسخا في تونس′ مثلما تقول صحيفة ‘لابراس′ الحكومية في مقال نشرته الاحد الماضي على صدر صفحتها الاولى.
ها نحن نعود الان بعد كل الرجات التي ضربت مفاصل الدولة القمعية واربكتها، لنكتشف مرة اخرى اننا لم ننزع بعد عن اعيننا ووجداننا تلك الخرقة البالية السميكة التي رسخت منذ عقود طويلة وتحولت الى ما يشبه التقليد الجامد او الروتين اليومي البغيض، والتي جعلتنا نشعر باستمرار بالنقص والضآلة امام الاخرين لمجرد انهم قدموا من كوكب اخر قد يكون اسمه اوروبا او امريكا. لم يعد باستطاعتنا ان نسأل حتى مجرد سؤال ما الذي ستفعله كتيبة الصحافيين الاجانب عندما ترجع من عطلتها الهانئة والمشمسة الى صقيع وبرد القارة العجوز، وهل ستتذكر طويلا ذلك البلد الذي مسح عنها غبار مهنة المتاعب، وهل سيكون لكلامها في وسائل الاعلام العالمية اي اثر او جدوى؟
الشمس والبحر وجمال الصحراء هي كل ما قد يجلب اهتمامهم، اما الديمقراطية والحرية واخواتها وهي الشعارات المفضلة للعالم المتمدن الحر فلا يوجد اي شيء يدل على انها تلقى لديهم نفس القدر من الحظوة، والا فما الذي يدفع بلدا مثل تونس حقق تقدما لافتا نحو تكريس تلك الشعارات الى استجداء الدعاية الرخيصة لاستقدام السياح. الا تكفي الخطوات الجادة والحثيثة نحو اكتساب عضوية غالية وثمينة في نادي الديمقراطية المغلق لجلبهم بالالاف والملايين؟
لم تتغير بعد نظرتهم الى الشرق، سواء استمر على استبداده المعهود، او حاول الخروج منه، كما ان ازدراء ذلك الشرق لابنائه بقي على حاله القديم ايضا.
صباح الاثنين الماضي قام الصحافيون التونسيون بوقفة احتجاج امام وزارة الداخلية لابلاغ استيائهم مما جرى مساء الجمعة، اما ‘زملاؤهم’ المبجلون ضيوف وزارة السياحة فلا يبدو ان الامر قد اثار فضولهم او ادخل اضطرابا على برنامج رحلتهم، فبالنسبة لهم لا صوت يعلو فوق صوت العطلة ‘الملكية’ الهادئة والسعيدة. وقد يكونون على حق في ذلك مادامت السلطات تعتبرهم شخصيات مهمة جديرة بالاحترام، عكس اولائك الذين هتفوا طويلا امام الوزارة ثم انصرفوا الى حياتهم كالمعتاد.
“القدس العربي”