الرئيسية / وجهات نظر / فيصل الثاني.. ملك العراق المغدور ظلما
2د. عمران الكبيسي

فيصل الثاني.. ملك العراق المغدور ظلما

كان عمري 14سنة في الأول الإعدادي وكنت أتجول في الباب الشرقي حديقة الأمة حاليا ورايته بسيارته الملكية المكشوفة عصرا يقودها بنفسه ويحيي من يصفق له بيده اليمنى. وكانت أول مرة وآخر مرة رايته فيها، وأذكر أمي رحمها الله توفيت بعده بأربعين عاما، وحين فتحنا حقيبتها وجدنا صورته التي حصلت عليها قبل مقتله واحتفظت بها كل هذه السنين الطويلة “نصف قرن”، وكثيرا ما كنت أراها تفتح حقيبة مقتنياتها تستخرج الصور وتطيل النظر فيها تدمع عيناها فتقول: يا مظلوم…! وماتت تحمل غصته ككل العراقيين. ولا اعتقد ملكا في الدنيا رحل ولا يملك بيتا ولابستانا ولم يمتلك شبرا من الأرض ولم يفتح حسابا في بنك، رحل الملك الفقير وبقى الصغير والكبير يترحم عليه, قتل غدرا صباح اليوم الذي كان يروم السفر فيه لىشهر العسل. بعد أن اجل سفره مرتين الأولى لتوقيع بعض القوانين برجاء من وزير المالية، والثانية بطلب من شاه إيران لحضور مؤتمر حلف بغداد، لينال منه القدر صبيحة عزمه على السفر. ويومها بكيته على بكاء أخي الذي يكبرني وبكاء أسرتي عليه.
آخر ملوك العراق الابن الوحيد لأبيه فيصل الثاني بن الملك غازي بن فيصل الأول بن حسين بن علي الهاشمي، ولد عام 1935 وتولى العرش عام 1939 عقب وفاة والده الملك الشاب المحبوب غازي بحادث سيارة، وأصبح تحت وصاية خاله الأمير عبد الإله بن علي. ولم يكن يعرف ما يجري حوله، وتوج ملكا في الثامنة عشر 1923، وقتل في يوليو 1958 بعد خمس سنوات من تتويجه، بقصر الرحاب الملكي بالعاصمة بغداد مع بقية أسرته. وبوفاته انتهى الحكم الملكي ليبدأ العهد الجمهوري الأغبر لتتوالى الانقلابات العسكرية والأحداث الدموية بعد فتر استقرار وهدوء وانتعاش. ثالث وآخر ملوك العراق من الأسرة الهاشمية. كان حينما يمتلك شيئا جديدا تسمعه يتمنى أن يكون لكل عراقي مثله، وحينما يرى نصبا أو ملعبا أو متنزها أو معملا يتمنى إن يرى في العراق مثله بشهادة كل من رافقه في سفرة أو نزهة.
ملك ابن ملك من السلالة الهاشمية،عاش ومات ولم اسمع أو أقرأ أن أحدا شكاه أو اشتكى منه، ولم يؤثر عنه رفع يوما صوته أو استعمل يده بالعنف ضد رفاقه أو تلفظ بكلمة سوء أو رآه احد غاضبا, توفيت أمه بعد مرض عضال وعمره خمسة عشر عاما، كان شديد التعلق بها ليتمه، وكانت وفاتها مدعاة لألمه وصمته الدائم وحزنه العميق في فترة من أخصب حلقات الصبا، فعاش تحت رعاية خاله وجناح خالته التي خرجت مع الأسرة يوم الانقلاب تحمل القرآن فوق رأسه وقتلها الانقلابيون معه، كبر وبراءة الأطفال في محياه،.وكل من رآه وعايشه يدرك ويشعر أن خلف ابتسامته حزنا عميقا كصمته، فلم يكن يتكلم حتى يسأل فيجيب باقتضاب، لقد عاش وحيدا بين الكبار، ولم يكن في الأسرة طفلا ولا صبيا غيره، برأ من الأنانية والعدوانية لم يكن يتباهى ويتفاخر ولا عرف عنه فترة مراهقة كسائر أبناء الملوك، وكان اقرب الأصدقاء إليه في شبابه ابن عمه ملك الأردن الحسين بن طلال الذي رافقه في الغربة أثناء دراسته في بريطانيا.
كل من عرف الملك فيصل الثاني، يتحدث عن رقته وطيبته وبساطته، وعن حبه للعراق كان صريحا في نقاشه لم يعرف حيل السياسة وحبالها، رغم انه عاش فيها وأعد لها، أحبه الشعب العراقي على حب أبيه الشاب الثائر النشط، الذي شهد له القاصي والداني بالوطنية، وهذا هو سر جرح العراقيين الدفين حزنا عليه، ظل الملك مقيد اليدين ضائعا بين نفوذ رئيس الوزراء نوري السعيد وحكمته، وصرامة خاله عبد الإله الذي اكتنفه برعايته الحميمة الفائقة وأصبح يدين له بالجميل فاستغل تعاطف الملك واحترامه وتدخل بكل شيء، وهكذا سلب الملك استقلالية القرار، أدرك العراقيون ذلك فكرهوا عبد الإله ونوري السعيد، وأحبوا الملك وتوسموا فيه الخير كثيرا ولكن الوقت لم يسعفه، ولم يرحمه القدر.
يروى أن عبد السلام عارف احد قادة الثورة “الانقلاب العسكري” البارزين حينما عاد إلى بيته لأول مرة بعد أيام من نجاح حركتهم ومقتل الملك فوجئ بزوجته قائلة، يا وليلكم من الله ما ذنب هذا الطفل المسكين؟ وماذا فعل ليلقى منكم كل ذلك؟ وبالفعل قتل كل من أسهم بمقتله شر قتلة معلقا على حبل المشنقة أو رميا بالرصاص أو محترقا بنار؟ “وبشر القاتل بالقتل ولو بعد حين”. ولا يعتبن علي أحد، كل الثوريين التقدميين ممن فرحوا وتشفوا بموت الملك لم يعش أحد منهم هانئا سعيدا بحياته. ولم يذق العراقيون راحة البال بعد مقتل ملكهم المغدور ظلما وعدوانا.

“البلاد” البحرينية