الرئيسية / وجهات نظر / حكومة العبادي ما بعد داعش
عدنان الصالحي

حكومة العبادي ما بعد داعش

بقي بعيدا عن واجهة الصراعات السياسية التي عصفت بالمشهد العراقي في السنوات الماضية خصوصا خلال الولاية الثانية للسيد المالكي، فبالرغم من قرب الرجل من الأخير حزبيا وسياسيا إلا انه لم يكن يتخذ موقفا متشنجا في الأزمات بين الفرقاء السياسيين وأمين حزبه ورئيس كتلته السياسية بل كانت السلطة التشريعية المجال الأوسع لنشاطه السياسي، انه رئيس مجلس الوزراء الحالي الدكتور حيدر العبادي.
فالعبادي ذو الـ63 عاما لم يكن في اغلب المراحل الحرجة في واجهة الحدث بل كان دائما ما يكون جنبه او في أخره او يتجاهله، خصوصا الصراع الذي شهده التحالف الوطني بين دولة القانون والتيار الصدري الحليف السابق الذي أوصل حزب الدعوة الى سدة الحكم دافعا المجلس الأعلى الإسلامي الى جانب الطريق السياسي.
حلت الساعات الأخيرة التي دائما ما توصف بها أزمات الساحة العراقية لما بعد2003، كان السيد العبادي هذه المرة عنوانها بعد ما كان مفترضا ان يكون ممثلا لدولة القانون في مجلس النواب بالنائب الأول للرئاسة وبعد تصويت مجلس النواب العراقي عليه غير انه ترك المنصب بعد الاتفاق على تكليفه لتشكيل الحكومة العراقية خلفا لرئيس كتلته نوري المالكي، فحكومة العبادي التي تشكلت في 11/8/2014، يعدها اغلب المراقبون بمثابة طوق نجاة للعملية السياسية الدائرة في العراق، صحيح ان الاختيار استند إلى الانتخابات الشعبية التي جرت في الثلاثين من نيسان من العام نفسه، إلّا أن حكومة العبادي هي أقرب ما تكون إلى حكومة إنقاذ وطني منها إلى حكومة دستورية طبيعية؛ لأنها تشكلت في ظروف حرجة جدًا كادت ان تصل فيها الأوضاع الى حد التهديد باستخدام العنف.
ولا نفشي سرا إذا ما قلنا بان خصوم المالكي في التحالف الوطني تناغموا مع بقية القوى السياسية خارج التحالف وأقصوا المالكي خوفا من تنامي شخصيته السياسية وسيطرته على مفاصل مهمة من الدولة أبرزها القوات الأمنية التابعة له شخصيا وغير المرتبطة بوزارة، غير أنهم لم يفكروا بأكثر من تلك الخطوة، إقصاء المالكي الذي كان هدفا إستراتيجيا في حسابات أغلب الكتل السياسية، وهذا الهدف حجب الرؤية عن التساؤلات الأهم بخصوص المستقبل بالنسبة لحكومة العبادي وما يعتريها من أمراض خلفتها التركة الثقيلة لسنوات ثمان من التطاحن السياسي والأمني انتهت بسيطرة ما يعرف بـ”تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” على مساحة مهمة من المنطقتين الغربية والشمالية من العراق وخصوصا محافظة الموصل ثالث اكبر مدن العراق.
لعل معركة الموصل المرتقبة وإعادة السيطرة على باقي أجزاء محافظتي الانبار وصلاح الدين تجعل اغلب من في العملية السياسية داعمين لحكومة العبادي الى ذلك الحين على اقل تقدير، غير إن المؤشر بعد تلك الإحداث والمتوقع لها ان تنتهي في نهاية صيف 2015 بسيطرة الحكومة على اغلب تلك المناطق يجعل من البديهي التساؤل عن شهر العسل للسيد العبادي مع باقي الكتل السياسية والتي أثبتت التجارب السابقة بأنها أشبه ما تكون قطعة من الثلج سرعان ما تتجمد من ماء سائل وسرعان ما تعود إلى حالتها الأولى.
فليالي السيد المالكي الملاح سابقا مع باقي الكتل السياسية لم تدم طويلا رغم انها رحبت بقدومه خلفا للسيد الجعفري وكانت متحمسة للعمل معه خصوصا الطرفين الكردي والقوى السنية التي وجدت ضالتها بحملته ضد الجناح العسكري للتيار الصدر (جيش المهدي) آنذاك الذي اتهمت القوى السنية حينها بالوقوف وراء التصفيات الدموية للطائفة السنية.
حكومة العبادي تقترب شيئا فشيئا من اختبارها الحقيقي الذي حدده خبراء ومحللون سياسيون بعدة نقاط في حال تجاوزها ستكون قادرة على عبور ما تبقى من مشاكل حتى لو طال أمدها ومن بين أهم تلك العقبات التي تواجهها تتمثل في:
1- الملف الأمني وإعادة السيطرة على المحافظات التي يتواجد فيها تنظيم داعش، حيث يسيطر التنظيم على مناطق واسعة من العراق، ويمتلك قدرة عسكرية ومناوراتية لا يستهان بها إضافة الى الوحشية الشديدة للتنكيل بضحاياه في ظل خمول اجتماعي واضح في مساعدة الدولة على تحرير تلك المناطق من قبل سكانها.
2- مواجهة التقشف المالي وتراجع أسعار النفط حيث اعتمد البلد في ميزانيته السنوية لعام 2015 بسعر نفط هو(60) دولارًا في حين انخفض سعر بيعه عراقيًا إلى ما دون الأربعين دولارًا مع موت شبه تام لقطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والسياحة.
3- مافيات الدولة العميقة وسيطرتها على مفاصل الدولة المهمة، التي تعيش فترة حرجة ترى فيها فرصة للتلون في هدف منها للتخلص من المحاسبة او الإقالة على اقل تقدير وقد يدفعها الخوف من المجهول الى ضرب بنية الدولة الأساسية وخصوصا عصبها الاستخباراتي.
4- إخطبوط الفساد المالي والإداري، فقد انفق العراق منذ عام 2003 إلى نهاية عام 2014 ما يقارب من (500- 700) مليار دولار أمريكي، من دون أن يكون لذلك تأثير ملموس على بنية البلد الاقتصادية او التحتية، بسبب استفحال ظاهرة الفساد المالي والإداري التي جعلت البلد يتصدر قائمة أكثر الدول فسادًا في العالم.
5- مواجهة تنامي الشعور بالانفصال لدى إقليم كردستان وظهور بوادر الأقلمة عند بعض المحافظات، فالوقت يمر على الأكراد بسرعة وهي فرصة تاريخية لن تتكرر للانفصال بوجود حكومة ضعيفة ولا تستطيع أن تجبرهم على فعل شيء أكثر من ان تقنعهم بان البقاء مع الدولة الام هو الحل الأسلم في الوقت الحالي على اقل تقدير، يتزامن ذلك مع مطالبة للمحافظات الأخرى والجنوبية منها بالأخص بأخذ استحقاقها كإقليم كردستان.
6- السير في منتصف الطريق في صراع الإرادات، فالمحافظة على التوازن فوق حبل سيرك المحور (الأمريكي-الايراني) والذي يتأرجح بقوة حسب حركة المفاوضات بين الدولتين وملف ايران النووي يحتاج الى مهارة خاصة.
7- إعادة رسم الخارطة التحالف الوطني عموما وخارطة دولة القانون وحزب الدعوة خصوصا، بوجود رغبة من الطبقة الشيعية “المشاركة بتصنع” حكومة العبادي بعدم تكرار سيناريو السيد المالكي.
العبور قبل الآخرين
لا سبيل للعبادي وحكومته سوى الوصول الى الضفة الثانية من النهر السياسي العراقي قبل الآخرين فتجاوزه تلك العقبات المشار اليها، يجعله يرتب أوراقه قبل وصول الباقين وبخلاف ذلك سيجدهم قد سبقوه ووضعوا خارطة له لا يمكن تجاوزها، المهام الملقاة على عاتق الرجل تكاد تكون خيالية من وضع أمني واقتصادي متهرئين، الا ان وضع الأولويات وترتيب الأوراق حسب الأهمية تمكنه من النجاح في المهمة.
الوقت ايضا عامل مهم في مرحلة التحولات وعليه فالاستباق وأخذ الاحتياطات واجبة ولابد له من خطين للعمل الأول يتمثل في متابعة ما تحتاجه الساحة الآن من مهام والثاني التهيئة للانطلاق الى ما بعد معركة داعش حيث نراها تتمثل في:
1- التركيز بشكل كبير على مسك الأمن في المدن والمحافظات التي سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) او التي كانت غير واقعة تحت سيطرة الحكومة العراقية بشكل فعلي وتثبيت إستراتيجية واقعية لمسك الأرض فيها وإيجاد جهات حقيقية الثقل في تلك المناطق يبني معها شراكة القرار والعمل.
2- إيجاد منافذ اقتصادية لتغطية النفقات المكلفة للحرب على داعش وإعادة اعمار المناطق المتضررة وإعالة ومكافأة أبناء الحشد الشعبي وعوائلهم خصوصا الشهداء، ولعل ذلك يتم بجذب رأس المال العراقي المتواجد خارج البلد بمنحه امتيازات خاصة لجذبه للعمل في الداخل وإيجاد تطمينات للمستثمرين العراقيين بالخصوص بالتعويض والأفضلية مستقبلا حتى في مجال الأسعار والشروط.
3- بلا شك ان الدولة العراقية لم تتمكن من الخلاص من مافيات سواء ما قبل او ما بعد التغيير من إرهاصات كثيرة ولدت معه، وحكومة العبادي اليوم بأمس الحاجة للخلاص من (داعش المافيات) والتي لا يقل خطرها عن سابقتها، وهنا لابد لوضع أولويات في التدقيق في أي المفاصل اخطر ولعلها وبلمحة سريعة نجدها في السلك الأمني والاستخباري والاقتصادي للتحرك عليها وتطويقها تمهيدا لضربها وإنهاء دورها.
4- تشكيل حشد شعبي وبنفس مستوى الحشد الشعبي الحالي لمواجهة مافيات الفساد الذي يضرب أطناب الدولة العراقية والتهيئة لمعركة تطهير البلد منه وبنفس الهمة الحالية كونه السبب الأكبر في التردي الأمني والخدمي.
5- إيجاد حلول واقعية وطويلة الأمد مع المطالبين بالفدرالية والانفصال خصوصا الكرد لثنيهم عن الحديث ولو في الفترة الحالية الى حين استقرار الوضع العراقي بشكل تام وعندها من حق أي طرف سلوك الطريق الذي يلبي رغبته وضمن الأطر الدستورية والقانونية.
6- لعل أصعب ما يوجهه رئيس مجلس الوزراء الحالي السيد العبادي هو مسك العصا من المنتصف بالتعامل مع الجارة إيران صاحبة اليد الطولى في المنطقة والولايات المتحدة الأمريكية صاحبة اليد الطولى في العالم، ولعل تجربة رئيسي مجلس الوزراء السابقين علاوي والمالكي خير مثال في عدم القدرة على التماشي بصورة صحيحة مع هذا الملف، فالأول ذهب بقوة باتجاه الأمريكان وفقد دعم الجمهورية الإسلامية والثاني اتخذ اقصى الشمال وذهب باتجاه الجمهورية الإسلامية ففقد دعم الأمريكان وكلاهما لم يستطع البقاء في منصبه لعدة أسباب إلا ان عدم الاتزان في المواقف كان من أهم تلك الأسباب للخروج من المنصب، وعليه فلابد من الاتزان في هذا الملف المهم جدا للسير بسلام لنهاية المطاف.
7- تفعيل مبدأ المصالحة العراقية التي فشلت في الفترة السابقة لعدم وجود ثوابت واضحة في الجهات المقصودة او الشخصيات المستهدفة، ولعل معركة الحكومة مع تنظيم ما يعرف بالدولة الاسلامية أفرزت جهات وشخصيات لديها القدرة على تبني مشروع المصالحة كطرف مهم لوضع الثقة فيها ونقلها لطائفتها عن طريقها، خصوصا بعد ان افرزت المعارك الأخيرة بان اغلب الفصائل المسلحة التي كان الحديث عن إشراكها في العملية السياسية هي اما ضعيفة وغير فعالة او إنها منقادة لتنظيم القاعدة بشكل سري، وان تفعيل دور بعض العشائر في المنطقة الغربية سيشكل تقوية حقيقية في هذا الملف.
8- اما الجبهة الداخلية فهي خريطة التحالف الوطني وعلاقة مكوناته فيما بينها التي تعتبر أشبه بخارطة الجهاز الالكتروني فأي خطا في طريقة الترتيب مع أي كتلة فيه قد تسبب لرئيس الوزراء مشكلة حقيقية خصوصا بوجود من يتلهف لفشل حكومة العبادي من بين تلك الكتل، وعليه فان إيجاد حماية داخلية لحكومته أصبح مطلب لا مناص عنه وتحالفات الرجل التي انتهت بتغيير البعض من مجالس المحافظات الجنوبية او تعديلها كانت إشارة واضحة للاهتمام بهذا الجانب، غير ان المطلوب تركيز بشكل اكثر في بقية المحافظات وخصوصا بتغيير المسؤولين غير الأكفاء وإبدالهم بشخصيات نزيهة وكفؤة، خصوصا في وقت بدأت بوادر لتفعيل مبدأ اللامركزية ونقل صلاحيات لبعض الوزارات للحكومات المحلية الصيف المقبل.
مهمة تكاد توصف بالتاريخية لرجل وصف بالحل للمأزق العراقي لعام 2014 غير إنها لن تمر دون صعوبات، فما بعد (داعش) سيتكلم الكثير ممن يصمت الآن خوفا من الاتهام بدعم داعش، ومن يتفق مع رئيس الحكومة حاليا قد يهيأ لطلبات مستقبلية يرى انه يستحقها لأسباب كثيرة، ومنها انه كان جزء مهما من معركة الحسم مع التنظيم، أما ملفات الفساد فهي الأخرى تنظم صفوفها للمواجهة القادمة الحتمية وهي خطرة جدا اذا لم تقابل بنفس الشدة التي جوبه بها تنظيم داعش، خطوات سريعة ومهمة على رئيس الوزراء اتخاذها ولا يوجد بديل عنها لإكمال متطلبات بناء الدولة الدستورية.

* مركز المستقبل للدراسات والبحوث/المنتدى السياسي