الرئيسية / وجهات نظر / أيُّ دور للجيش الجزائري في التغيير المنتظر؟
473dc68f99076b0bcf5ab14122807f25

أيُّ دور للجيش الجزائري في التغيير المنتظر؟

في مؤتمر صحافي نادر، وسيحفظه التاريخ السياسي الجزائري، دعا مولود حمروش، رئيس الحكومة الجزائري الاسبق (1989 ـ 1991) إلى إشراك الجيش في أي تحوّل سياسي في البلاد، وقال إن لا شيء يتحقق ‘دون الموافقة النشطة للجيش’. ثم استدرك بأنه لا يدعو إلى انقلاب عسكري أو شيء من هذا القبيل.
الجملتان السابقتان أقوى إشارة على أن الرجل لم يتغيّر رغم تقاعده قبل ثلاثة وعشرين عاما. ظل، في جلساته الخاصة الكثيرة في بيته بحي الأبيار، وفي غيرها، متمسكا بأن لا مفرّ من دور للجيش الجزائري (تلطيفا يسمونه: المؤسسة العسكرية) في أيّة عملية سياسية من شأنها أن تخرج بالبلاد من الانتكاسة التي غرقت فيها.
يمكن تفسير كلام حمروش سالف الذكر على أنه إشادة بالجيش، كما يمكن تفسيره بأنه مذمة له. لكن ليس واضحا أيّ جيش وأيّة قيادة في الجيش يرى حمروش أن لا شيء يتحقق من دونها. وليس واضحاً هل يقصد قيادة المخابرات (هي إدارة في وزارة الدفاع) باعتبارها صاحبة حل وربط كبيرين، بالخصوص منذ 1992. وليس واضحا هل يطالب حمروش بإشراك قيادة الجيش في الحل من باب أنها تتحمل نصيبا كبيرا من المسؤولية في المأزق السياسي الذي آلت إليه البلاد، أم من باب ضمان أن لا تنقلب على أيّ عمل يتم من دونها. فهي مسؤولة أكثر من مرّة وفي أكثر من مناسبة، آخرها أنها جلبت عبد العزيز بوتفليقة، من العدم، وفرضته رئيسا على الجزائريين، ثم احتارت في التعامل معه.
ظلّت قيادة الجيش الجزائري، والمخابرات باعتبارها قوتها الضاربة، في قلب العمل السياسي منذ ما قبل استقلال الجزائر. وتكرّس هذا الواقع منذ 1992، كلما حلت انتخابات أو تحتم الوصول إلى قرارات كبرى، اشرأبت الأعناق إلى مبنى وزارة الدفاع المطل على العاصمة من علياء كأنه يراقبها.
وقد كرّس هذا الواقعُ شعوراً بالتفوق لدى القيادة العسكرية بأنها هي المخلّص ولا خلاص بدونها، ممزوج بشعور آخر بالعجز بين المدنيين بأنهم لا يمكن أن يفعلوا شيئا بلا العسكر. وقد عيـَّرَ اللواء خالد نزار مرارا، بعد تقاعده، ‘عجز′ السياسيين المدنيين و’قلة حزمهم.’
لكن ما يجب الاعتراف به هو أن القيادة العسكرية الجزائرية تغيّرت عن 1992. المجموعة التي سماها الراحل محمد يزيد ‘الديوان الاسود’ تغيّرت شكلاً ومضمونا، وانفرط عقدها، لأسباب عدّة، فلم تعد تلك الجهة المرهوبة الجانب. والدليل، عمار سعداني الذي ‘تطاول’ على اللواء محمد مدين بذم وقدح لم يكن يخطر على بال عاقل قبل 2014. الدليل الآخر على أن قيادة الجيش الجزائري لم تعد هي قيادة 1992، صمتُ وزير الدفاع السابق اللواء المتقاعد خالد نزار، الذي كان يستحيل أن يقاوم نعمة السكوت في ظروف سياسية معقدّة وخطيرة كالتي تعيشها الجزائر، وعلى اتهامات خطيرة كالها سياسي لمدير أقوى جهاز عسكري.
قيادة الجيش التي ينسحب عليها أكثر كلام حمروش هي التي كانت في 1992 وما بعدها.. نحو عشرة جنرالات أشدّاء يجمعهم الكثير ويفرّقهم القليل. يجمعهم اختلافهم الأيديولوجي مع الإسلاميين، واقتناعهم بأنهم الأدرى بمصالح الجزائر والجزائريين، وقدرتهم على الاتفاق في أحلك الظروف، وتصميمهم على الذهاب في مسعاهم إلى نهايته، وغير ذلك من الأسباب.
اليوم، لم يبق من تلك المجموعة غير اللواء محمد مدين، مدير المخابرات، ويبدو وحيداً وأقل قوة، والجنرال محمد تواتي بلا ذلك النفوذ الذي عـُرف عنه قبل 20 سنة. وبينما توفيَّ قائد المجموعة العربي بلخير وقبله الفريق محمد العماري والعميد اسماعيل العماري واللواء إبراهيم فضيل الشريف، توارى عن الأنظار مندوب المجموعة، وأكثر أفرادها إثارة للجدل، اللواء نزار، والقائد السابق للدرك اللواء عباس غزّيل، والعمداء سعيد باي وعبد المجيد تاغيت وعبد الحميد جوادي.
هذه المجموعة التي كانت أقرب إلى العقيدة الأبوية لقادة جيوش أمريكا اللاتينية، لا يمكن أن تتكرر بسهولة في حاضر ومستقبل الجيش الجزائري. وهذا يقلل من قوة نداء حمروش.
هناك تفصيل لا يجب إهماله هو أن بوتفليقة، وبدءا من 2004، فكك المجموعة وقلّص نفوذ أعضائها بمكر سياسي لم يتوفر لدى مَن سبقوه. ثم أكمل المرض والعمر والموت الباقي.
إذا جئنا لتطبيق اقتراح حمروش على الأرض، فواقع الحال هو أن اقوى رجلين (قائدين) في الجيش حاليا، رئيس الأركان ورئيس المخابرات، لا يبدو منهما ما يدل على أنهما على وئام.
أحمد قايد صالح رئيس هيئة الأركان، وهو نائب وزير الدفاع، في صف بوتفليقة، واللواء مدين، قائد المخابرات، التي من المفروض أنها مجرد إدارة في وزارة الدفاع، في صف مناوئ.
مدين سمع كلاما شنيعا هو الأول من نوعه، على لسان رئيس حزب موال لبوتفليقة، اسمه عمار سعداني، فجاء من يرد بإسماع قايد صالح كلاما لا يقلّ شناعة، على لسان عميد متقاعد اسمه حسين بن حديد. قيادة الجيش الجزائري اليوم في وضع مختلف. غسيلها أمام الملأ تلوكه الألسن في الداخل والخارج. ولا يمكن أن يكون هذا كله محض صدفة أو ثرثرة عابرة.
الوجه الآخر للموضوع هو أن انفراط عقد ثلة الجنرالات ووفاة بعضهم مكّنا وصول فئة جديدة من البدلاء يتواتر الكلام في الجزائر، ليس من دون فخر، عن أنهم من جيل جديد مختلف وأكثر تعليما وإيمانا بأن هذا الجيش يجب أن يتولى مهامه التقليدية المتمثلة في حماية حدود وأجواء البلاد ومحاربة الإرهاب فوق أراضيها.
هل هذا الجيل من الضباط هو المقصود بـ’نداء’ حمروش؟
لا خلاص للجزائر إلا بتحرير جيشها من أعباء السياسة، فيريح ويستريح. البلد مهدد داخليا وخارجيا ومحاط باضطرابات تلزمه بتسخير رجاله وعتاده ورفع جاهزيتهم.
كما أن هذا الجيش يحتاج إلى الحفاظ على صورته الإيجابية بعد أن زُجَّ به خلال التسعينيات في اقتتال داخلي ألحق به خسائر فادحة وأذى معنويا كبيرا.
التحول في الجزائر بين أيدي أبنائها: نساء ورجال، المحامون، القضاة، الأطباء، الفنانون، الصحافيون، الشباب، الكهول، الفلاحون، اليمينيون، اليساريون، المحافظون، الليبراليون، الإسلاميون، العلمانيون، المعرّبون، المفرنسون، من يصومون رمضان، من يفطرونه، رواد المساجد، رواد الكنائس، رواد الحانات.. كل هؤلاء وغيرهم.
أما المؤسسة العسكرية فتستطيع أن تواكب عمل هؤلاء في صمت، وتزكيه ما لم يحمل تهديداً للأمن القومي والسلامة الترابية للبلاد. تلك ستكون المشاركة الأفضل والأكثر فاعلية. وستكون أيضا الطريقة للحفاظ على الجيش من عفن السياسة والسياسيين.
“القدس العربي”