الرئيسية / وجهات نظر / مفارقات الحل السياسي والحسم العسكري
محمد أبو الفضل

مفارقات الحل السياسي والحسم العسكري

هل هناك مسطرة يقيس بها المجتمع الدولي عمق الأزمات الإقليمية ومدى حدتها؟ وهل لدى مكوناته رؤية واضحة تقول هذه تستحق الحل السياسي وتلك وجب التعامل معها بالحسم العسكري؟ وهل توجد مفكرة عند مجلس الأمن الدولي تحدد بموجبها الأولويات؟ وكم أزمة ساخنة غضت الدول الكبرى الطرف عنها، حتى استفحلت وأصبحت عصية على الحل، ولا يزال الصومال ماثلا أمامنا؟
أسئلة كثيرة حرجة دارت وتدور في ذهن أي مراقب يتابع الأزمات الممتدة من الشرق للغرب ومن الشمال للجنوب، وإذا أردنا المزيد من التوضيح، فلنتابع الطريقة التي يتعامل بها كل من المجتمع الإقليمي والدولي مع الأزمة السورية والأزمة الليبية، فالدول التي تفضل الحسم العسكري مع سوريا تميل ناحية الحل السياسي في ليبيا، والدول التي تدعم الحسم العسكري في الثانية تجدها تستميت في الدفاع عن الحل السياسي في الأولى، والأمر لا يخلو من مؤيدين للحسم العسكري، أو الحل السياسي هنا وهناك.
تبدو المسألة من المفارقات الأساسية المتعارف عليها في النظام الدولي، الذي يقوم على الازدواجية والنفعية وعدم الحيادية، والتي لم تعد محل استهجان أو استغراب بالنسبة لكثيرين، لأن مصالح الدول، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، متحكمة في مفاصل القرار الدولي أو على هامشه، هي التي تحدد الموقف من التعامل مع أي أزمة، وهي التي تجبر من يؤيد طريقا يعود ويؤيد طريقا مخالفا، ولا يوجد ترمومتر حقيقي في الأمم المتحدة أو قاعدة واحدة يمكن القياس عليها وتطبيقها على الأزمات المختلفة، حتى قرارات مجلس الأمن تخضع لتوازنات تحددها قوى كبرى معروفة.
إذا خرجنا من قاعات مجلس الأمن المقيّدة نجد أن هناك بدائل أتاحت الفرص للشروع في سن تصورات والإقدام على تصرفات فردية وإقليمية ودولية بعيدة عن مظلته، فتحت ذريعة تهديد الأمن طفت ممارسات متعددة، بصرف عن النظر عن قبولها أو رفضها، وتحت لافتة المصلحة وجدنا الولايات المتحدة تقترب من إيران، وتظهر مرونة معها في الملف النووي الذي كان قبل سنوات قليلة من المحرمات، والأشد غرابة أن واشنطن تتفق مع طهران في العراق لمحاربة داعش، وتختلف معها حول اقتلاع نظام الأسد في سوريا.
لا أريد التبسيط والحديث عن مزيد من الأسماء لدول محددة تمارس الازدواجية في أجلى صورها، فهي معروفة بالنسبة لسوريا أو ليبيا، ودوافعها وتناقضاتها مفهومة في الحالتين، لكن ما أريد الوقوف عنده المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه الظاهرة، فالانقسام الحاصل حول اختيار آلية التعامل ودعمها، سوف يطيل عمر أي أزمة، لأنها ترضخ لتوازنات القوى التي إذا مالت لطرف من السهولة أن تتغير وتميل تجاه الطرف المقابل، وهو ما يحدث في سوريا وليبيا بامتياز.
جاء وقت كان الحسم العسكري محل إجماع كبير في سوريا، وعندما تغيرت المعادلة على الأرض تحول وأصبح محل رفض مكشوف للعيان، ورجحت كفة الحل السياسي الذي وضع له البعض شروطا جعلته يعجز عن الحركة، وأدى تثبيت العصي في دواليبه إلى تعقيدات جعلت الحسم العسكري لم يفارق حسابات كثيرين، وأضحى التعامل مع الأزمة السورية يسير في خطين متوازيين، لا أحد يعرف لمن سوف تكون الغلبة.
المصير نفسه تقريبا يحدث في ليبيا، مع اختلاف طفيف، حيث تمت تجربة الحسم العسكري وأسقط نظام العقيد معمر القذافي بالقوة المسلحة من خلال ضربات حلف الناتو الجوية أولا، ثم عادت المعادلة بعد وقت قصير للحيرة السورية، حيث تسير الأوضاع على وتيرة مزدوجة، دول تسعى لاستغلال الفوضى والانفلات والمخاطر والتهديدات لتأكيد أهمية الحسم العسكري، وأخرى تستغل المحددات نفسها وتسوقها كمبرر للدفع نحو الحل السياسي.
النتيجة على الأرض تسير أيضا على عكازين، أحدهما يستند للحسم العسكري ويحاول الترويج له على الرغم من اصطدامه بقوى عنيدة ترفضه، والآخر يلجأ إلى تعزيز الحل السياسي ويسعى لدفع الأمم المتحدة لتسريع خطواتها نحو الحوار الوطني، ولم يفلح كلاهما في تقديم بارقة أمل للوقوف الجماعي خلف أي من المحددين، وكأنه أصبح مكتوبا أن تظل الأزمة الليبية على حالها من تفضيل اللاحسم نهائيا، كما هو الوضع بالنسبة لسوريا.
قد تكون التشابكات المحلية والإقليمية والدولية هنا وهناك هي السبب، لكنها ليست الوحيدة، فكم من أزمات كانت أشد تعقيدا وتم حلها سياسيا أو حسمها عسكريا؟ فهناك أسباب أخرى لا تقل أهمية، أبرزها التداعيات والانعكاسات التي سوف تترتب على أولوية أي من الخيارين، دفعت لأن يتحول الانسداد لأكبر فترة ممكنة إلى حل مرضي في حد ذاته بالنسبة لكثيرين، اتساقا مع قاعدة سياسية، انتشرت في أدبيات بعض الدول، تقول إذا لم تربح وتحصل على ما تريد فلا تجعل (على الأقل) خصمك يحقق ما يريد.
في تقديري إن الحالة التي تعيشها المنطقة العربية، والأزمات التي تشتعل في بعض أركانها، والحصيلة التي وصلت إليها التجارب المتعددة، والغموض الذي يكتنف مصير الأدوات المستخدمة لإطفاء الحرائق الراهنة، يمكن أن تنتج عنه مراوحة بين طريقين:
الأول حدوث المزيد من التقسيمات الطائفية والمذهبية، وانتشار الاقتتال العابر للحدود على نطاق أوسع، والذي تغذيه قوى إقليمية وتعمل على استمراره قوى دولية.
والثاني الوصول إلى تفاهمات تسمح بفك الشفرات المستعصية لبعض الأزمات الحالية، والاتفاق على آلية واضحة ومحددة توقف النزيف الذي أصبح من الصعوبة السيطرة عليه بالوسائل التقليدية.
إذا كان أفق الطريق الثاني مسدودا بحكم تباعد المسافات وتناقض المصالح، سيظل الطريق الأول القاتم الأكثر واقعية، لأن المفاضلة بين الحسم العسكري والحل السياسي لا تزال خاضعة لرؤى متعارضة، يصعب أن تلتقي عند نقطة وسط.

*كاتب مصري/”العرب”