الرئيسية / وجهات نظر / العالم العربي الرجل المريض
TAWFIK BOUACHRINE

العالم العربي الرجل المريض

سورية تنزف. مصر تنتحر. اليمن يتفكك. ليبيا تسير بسرعة نحو الحرب الأهلية. العراق رجع إلى القرون الوسطى على يد داعش والمليشيات الطائفية. لبنان الدولة تتآكل والطوائف تنتعش. السودان فقد جنوبه فيما الشمال فقد روحه. الخليج متفرغ كلياً لمناهضة أي تحول ديمقراطي في جواره. الجزائر تعيد انتخاب رئيس مشلول، لأن مصالح العسكر لا تقوى على تحمل رئيس يمشي على رجليه. تونس تقاوم رياح الخريف العربي. في المغرب حكومة تنحني للعاصفة، وتقدم هموم الاقتصاد على متاعب السياسة…
هكذا يبدو العالم العربي من فوق، قطعة جغرافية تائهة في بحر من الفوضى، فإلى أين نحن متجهون؟
يقول ثعلب السياسة الخارجية الأميركية، هنري كيسنجر، “في السياسة الدولية لا توجد أخبار جديدة، هناك فقط تحليلات جديدة”. هذا معناه أن الذي يتغير في الساحة الدولية هو قراءة كل طرف موقعه ومصالحه وقدراته، وهذا معناه ثانياً أن الغد محكوم بمعطيات اليوم، فكيف هو مستقبل العالم العربي في السنوات الخمس المقبلة، على أقل تقدير…
أولاً: قائمة الدول الفاشلة ستزداد في العالم العربي، سنة بعد أخرى. هناك اليوم ست دول فاشلة بتفاوت صغير، هي: الصومال والعراق وليبيا وسورية واليمن ولبنان. كل عام تصدر عن مراكز البحث في الغرب قوائم للدول الفاشلة والمرشحة لأن تصير فاشلة. ومصطلح دولة فاشلة ليس حكم قيمة، بل هو شبكة معايير لقياس صحة الأحوال في أي بلد (تصبح الدولة فاشلة حين تفقد السلطة القائمة قدرتها على السيطرة الفعلية على أراضيها، أو تفقد احتكارها حق استخدام العنف المشروع في الأراضي التي تحكمها. وحين تفقد شرعية اتخاذ القرارات العامة وتنفيذها. وحين تعجز عن توفير الحد المعقول من الخدمات العامة، وعن التفاعل مع الدول الأخرى عضواً فاعلاً في الأسرة الدولية).
الجزائر ومصر والبحرين والأردن دول معرضة لأن تصبح دولاً فاشلة، مادامت العملية السياسية فيها متعثرة، والموارد شحيحة، والفوارق الاجتماعية كبيرة، والإصلاح مؤجلاً، والاضطرابات تزداد، والتطرف يتسع.
ثانياً: القوى الإقليمية الكبرى المرشحة للتأثير في العالم العربي، وخصوصاً الشرق الأوسط، غير عربية. إيران وإسرائيل وتركيا هي الدول المرشحة للعب الدور الأكبر غداً. سيزداد التأثير الإيراني مع تقدم المفاوضات حول برنامجها النووي مع الغرب، وسيقوى نفوذ إسرائيل أكثر في المنطقة، وستبرز تحالفات عربية إسرائيلية لم تكن ظاهرة. كلما ازداد إلحاح المجتمعات العربية على الإصلاح الديمقراطي ازداد عناد الأنظمة العربية وتسلطها وبحثها عن حلفاء إقليميين من مصلحتهم أن يظل العالم العربي خارج نادي الديمقراطيات المعاصرة. أما تركيا، فإن نجاحاتها الاقتصادية وحاجتها إلى الطاقة ستدفعها إلى دور إقليمي كبير في العالم العربي.
ثالثاً: التطرف والعنف وعدم الاستقرار والحرب مربع يطوق وسيطوق المنطقة سنوات مقبلة. القاعدة والنصرة وداعش وعشرات التنظيمات الدينية العنيفة صارت لاعباً رئيساً في العالم العربي. تضعف هنا لتقوى هناك، والمشكلة أن الحرب كعلاج وحيد لأمراض المنطقة يزيد من انتعاش الإرهاب. رأينا ذلك في أفغانستان والعراق واليمن، ففي كل هذه الدول أدت الحرب الأميركية على القاعدة، ثم داعش الآن، إلى المزيد من تمددها وانتشارها وتفريخها تنظيمات أكثر راديكالية، الإرهاب سيستمر مادامت أسبابه مستمرة.
رابعاً: سيتراجع اهتمام أميركا وأوروبا في السنوات المقبلة بالسياسة وتعقيداتها ومشكلاتها في المنطقة العربية، وسيزداد الاهتمام بالاقتصاد والأسواق والطاقة. ستترك أميركا مكرهة تدبير التوازنات في المنطقة للقوى الإقليمية (رأينا مثلاً أن الدور الإماراتي والسعودي والإسرائيلي في الأزمة المصرية، ورعاية الانقلاب العسكري، كان أكبر من دور أميركا وأوروبا). هذا سيعطي بعض الدول العربية هامشاً للحركة، لكنه، أيضاً، سيفتح المجال أكبر للقوى الإقليمية، لأن تلعب أدواراً أكبر على حساب العرب المشغولين بتفكك دولهم وتأجيل الإصلاح والرفع من فاتورة التحول الديمقراطي في المستقبل.

*كاتب صحفي/”العربي الجديد”