الرئيسية / وجهات نظر / شراكة في الحرب على الإرهاب
محمد الاشهب

شراكة في الحرب على الإرهاب

بدافع الجوار وخلفيات تاريخية ومخاوف أمنية، بدأت إيطاليا تبحث في تسريع أي حل سياسي أو عسكري للأزمة الليبية، قبل فوات الأوان. وإذا لم يكن لتدفق الهجرة غير الشرعية القادمة من ليبيا والسواحل المتوسطية، في اتجاه جنوب إيطاليا من استشعار بتنامي الظاهرة ومخاطرها، فإن المخاوف من اتخاذها حصان طروادة من طرف التنظيمات الإرهابية المتطرفة يزيد الأمر استفحالاً.
منذ الهجمات الإرهابية التي كانت باريس مسرحاً لها، انتقل الموقف الأوروبي حيال الحرب على الإرهاب والانشغال بما يتفاعل من تطورات داخل ليبيا إلى صدارة المعايير التي تكيف النظرة إلى الأحداث، بخاصة في ضوء استئثار امتدادات تنظيم ما يعرف بـ «الدولة الإسلامية» بملاذات داخل ليبيا، وإقدامه على ممارسات وحشية مدانة، دقت ناقوس الخطر الداهم على مقربة من بضعة كيلومترات من الفضاء الأوروبي.
فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، شركاء المنطقة المغاربية في منظومة الحوار (5+5) إلى جانب كل من البرتغال ومالطا، تعتبر الأكثر تأثراً بموجة العنف والإرهاب. فقد عرضت تقارير أمنية متداولة على نطاق ضيق لاستهداف هذه البلدان الأوروبية أكثر، كما يستدل على ذلك من كشف مخططات إرهابية أجهضت في المهد. وليس التحرك الإيطالي بعيداً عن الإلمام بحيثيات ودوافع هكذا مخططات. ما يمنح المقاربة الأمنية التي اعتمدتها دول شمال البحر المتوسط في حوارها مع نظرائها الجنوبيين مبررات مقنعة، وإن بدا أن إغفالها عن الأبعاد السياسية والاقتصادية للمقاربة الإنمائية الأشمل أفقدها زخماً، كان في وسعه استيعاب واحتواء بعض مظاهر الانفلات.
لكن الإيطاليين دخلوا على خط الأزمة الليبية، من منظور تتوازى فيه المشاورات مع الدول الأوروبية وحلف الناتو، مع دعوات لبلدان الجوار الليبي تروم الانخراط في مبادرات البحث عن الحل، أي الاستئناس بدور مغاربي للحؤول دون تكرار أخطاء التدخل العسكري السابق لحلف الناتو الذي توقف في منتصف الطريق، في ضوء عجز فرقاء الأزمة الليبية عن التوصل إلى صيغة حل وفاقي إزاء مقومات الشرعية وإنهاء فوضى السلاح ومواجهة التنظيمات الإرهابية.
لئن كانت البلدان الأوروبية، بخاصة فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وباقي الشركاء في وارد الاتفاق على فعل شيء ما، يحد من مخاطر الحالة الليبية، على اعتبار أن الانتساب الى الاتحاد الأوروبي يحتم تنسيق المواقف والحديث بصوت واحد، فإن الحليف المفترض، الاتحاد المغاربي، تستغرقه تناقضات وتباينات في التعاطي مع الأزمة الليبية، وهي لا تعدو أن تكون نتاج أزمات إقليمية فرقت بين السبل والاختبارات. من ذلك على سبيل المثال إخفاق جولة كانت مقررة للحوار الليبي عن مجرد الالتئام في الرباط. يضاف إليها تباعد المواقف حول منهجية المصالحة في مالي التي تعتبر الخطر الأقرب إلى بلدان الشمال الإفريقي جنوبا.
قد يكون للتطورات العاصفة أثرها في إرجاء موعد الحوار في المغرب أو أي عاصمة أخرى. إلا أن الحماس الأوروبي لا يوازيه التزام مغاربي مماثل، مع أن دول الجوار الليبي أكثر عرضة لتداعيات الانفلات القائم. وقد يصبح أجدى البحث في إنضاج مبادرة مغاربية – أوروبية، في إطار منظومة (5+5)، من جهة لأنها الإطار الوحيد الذي استمر وجوده على رغم ركام الخلافات الثنائية والمتعددة الأطراف داخل مكونات الفضاء المغاربي. ومن جهة ثانية لأنها تتوافر على آليات دفاعية وأمنية وسياسية كفيلة بنقل الهواجس والانشغالات إلى حيز الواقع.
لم تكن مواقف بلدان الشمال الإفريقي متطابقة إبان موجة الحراك الذي عصف ببعض الأنظمة، وتلك مسألة أخرى، ارتبطت بتباين القراءات إزاء ما يعرف بالربيع العربي. إلا أن الوضع مختلف كلياً، طالما أن المخاطر والتهديدات الأمنية لا تفرق بين نظام وآخر. فالثورة التونسية باتت مستهدفة بأعمال العنف والإرهاب، كما هي الجزائر في مواجهة ذيول العشرية السوداء، أو كما هو المغرب في قلب الحرب على الإرهاب، فضلاً عن أن موريتانيا بدورها عانت ولا تزال من تنامي الظاهرة.
للمرة الأولى يلتقي الشريكان المغاربي والأوروبي في أهداف موحدة. فهل يكون للتحرك الإيطالي ما بعده؟

*كاتب صحفي/”الحياة” اللندنية