الرئيسية / وجهات نظر / حتى لا تكون حكومة الحبيب الصيد… في عين العاصفة
محمد المحسن

حتى لا تكون حكومة الحبيب الصيد… في عين العاصفة

قد لا أجانب الصواب إذا قلت إنّ الدربَ الذي أفضى بتونس إلى رحاب الحرية، لم يكن من السهل عبوره كي نصلَ جميعا إلى ضفة السلم والسلام، حيث ظلال الحرية المبتغاة، ونسائم الديمقراطية المشتهاة، لو لم يكن مفروشا بالدم والدموع.. دماء أؤلئك الشهداء الذين اتخذوا قرارا يهون دونه الموت: إما الحياة بحرية أو الاستشهاد بعزّة وشموخ..ولا منزلة أخرى بين المنزلتين.
هذه الدماء السخية أريقت من أجساد شبابية غضة في سبيل أن تتحرّر تونس من عقال الاستبداد الذي اكتوت بلهيبه عبر عقدين ونيف من الزمن الجائر.
ومن هنا، لا أحد بإمكانه أن – يزايد- على مهر الحرية الذي دفعت البراعم الشبابية أرواحها ثمنا له، ولا أحد كذلك يستطيع الجزم بأنّ ما تحقّق في تونس من إنجاز تاريخي عظيم تمثّل في سقوط نظام مستبد جائر، إنما هو من إنجازه.
لا أحد إطلاقا.. فكلنا تابعنا المشاهد الجنائزية التي كانت تنقلها الفضائيات، في خضم المد الثوري الذي أطاح – كما أسلفت- برأس النظام مضرجا بالعار، ومنح الشعب التونسي تذكرة العبور إلى ربيع الحرية.. تلك المشاهد الجنائزية كان ينضح من شقوقها نسيم الشباب.. شباب وضع حدا لهزائمنا المتعاقبة، قطع مع كل أشكال الغبن والاستبداد، خلخل حسابات المنطق، جسّد هزّة عنيفة مخلخلة للوعي المخَدّر والمستَلب، وصنع بالتالي بدمائه الطاهرة إشراقات ثورية قدر الطغاة فيها هو الهزيمة والاندحار.
واليوم..
ها هي اليوم أيقونة الربيع العربي (تونس) تبني جمهوريتها الثانية بصبر جميل، وفي خضم أوضاع اقتصادية، أمنية واجتماعية معقدة، عاشتها بلادنا منذ انبلاج فجر الحرية في الرابع عشر من شهر يناير 2014 أثرت سلبا على المسار الديمقراطي وألهبت جذوة اليأس في نفوس التونسيين بعد أن أشرفوا على هوّة الإحباط وغدوا منها على الشفير.
ولكن..
تجربة الحكم التي بدأت تظهر مؤشراتها بعد أن تشكّلت الحكومة، لن تكون سهلة بالنظر إلى الاستحقاقات التي ينبغي التعامل معها، خصوصاً في الملف الاقتصادي وكذا الملف الأمني وعلى رأسه موضوع الإرهاب وتداعياته الدراماتيكية على الاستقرار السياسي المنشود، هذه الملفات الشائكة تستدعي وعيا عميقا بجسامتها ومقاربة شاملة تبحث في الأسباب وتستخلص النتائج عبر رؤية ثاقبة، وهو ما يقتضي نمطاً من التوافق الضروري بين القوى المختلفة، إذا أرادت هذه الحكومة (حكومة الحبيب الصيد) أن تحقّق استقراراً ونجاحاً ممكناً في إدارة ملفات المرحلة المقبلة..
أقول هذا، لأنّ الأوضاع على المستويات الأمنية والاجتماعية، بالأساس، لا تبعث على الاطمئنان، رغم الإرادة الفذة لقوات الجيش والأمن والحرس الوطني.. هذه القوات التي ما فتئت تجازف بحياتها أثناء مطاردتها -الجسورة- للإرهابيين واحباطها للمخططات الخطيرة..
أقول قواتنا العسكرية والأمنية بحاجة أكيدة لتعاون المواطنين معها، خاصة أنّ التداعيات المحتملة لاحتدام الصراع بين الإخوة -الأعداء بليبيا من شأنها أن تزيد في تعقيد المسألة.
إن المشهد العام جد حرج، ومع ذلك تحاول- عبثا- بعض الأطراف من أحزاب وحركات وتيارات ومنظمات استغلال المستجدات الحاصلة، ومن ثم توظيفها لخدمة أجنداتها الضيقة بدون أدنى إحساس بجسامة المرحلة التاريخية التي نمر بها جميعا، وبدون اكتراث أيضا بما يتطلبه الأمن القومي لتونس من التزام بقواعد التضامن الوطني لمجابهة المخاطرة المحدقة بنا..
السياسيون اليوم- منهمكون- في المزايدات السياسية، بدون أن ينتبهوا للمخاطر التي تتهدّدنا وتجرنا بالتالي إلى مربع الفوضى العارمة والانفلات، الأمر الذي وفّر أرضية خصبة للإرهاب كي ينمو ويزدهر، وأتاح الفرصة للإرهابيين لينظموا صفوفهم ويدعموا قواهم وينفذوا أجنداتهم وأجندات التنظيمات والدول الخارجية التي تحمي ظهورهم..
أردت القول إنّ تونس اليوم في حاجة إلى تكاتف كافة مكونات المجتمع المدني، وكل القوى السياسية لتثبيت أركان الجمهورية الثانية، ومن ثم انجاز مشروع مجتمعي طموح ينأى بالبلاد والعباد عن مستنقعات الفتن، الإثارة المسمومة والانفلات الذي يتناقض مع قيم العدالة والحرية، وهذا يستدعي منا جميعا هبّة وعي تكون سدا منيعا أمام كافة المخاطر التي تهدّدنا وتسعى إلى تحويلنا إلى نماذج مرعبة ومخيفة لما يجري في العراق وسوريا وليبيا.
أقول تونس اليوم دولة وسلطة ومؤسسات، أمام امتحان جديد على درب الديمقراطية، وما على الفاعلين في المشهد السياسي التونسي إلا القطع مع- النهم المصلحي والانتفاعي- المسيطر عليهم ومن ثم تخطي الطور الانتقالي الجاري بنجاح، ووضع المساطر المناسبة لبنية مجتمعهم السياسية والحزبية، بدون إغفال تطلعات مجتمعهم والشروط العامة التي تؤطرها، تطبيقا لشروط والتزامات وقيم الممارسة الديمقراطية السليمة والسلوك الحضاري القويم..
لقد استكمل المسار الانتقالي دورته ببراعة واقتدار، وخرجت تونس من طور- المؤقت- إلى مرحلة المؤسسات الدائمة، يحدونا أمل في بناء ديمقراطيتنا واستدامتها.
وما علينا والحال هذه، إلا استنفار كافة قوانا ومن ثم التمترس خلف خط الدفاع الأول عن مكاسب ثورتنا المجيدة، كي نبني مؤسساتنا الديمقراطية المنتخبة، ونمضي بخطى ثابتة نحو تشييد صرح جمهوريتنا الثانية في اطار الهدوء والمحافظة على وحدتنا الوطنية والاجتماعية.
أقول هذا،لأنّ تونس – أيقونة الربيع العربي- تحتاج منا جميعا في المرحلة المقبلة، إلى الاستقرار كي- تهضم مكاسبها الديمقراطية- التي أنجزتها في زمن متخم بالمصاعب والمتاعب.. أنجزتها بخفقات القلوب ونور الأعين.. وبدماء شهداء ما هادنوا الدهرَ يوما.
وتظل في الأخير الإرادات الوطنية الصادقة قادرة على قطع الطريق أمام محاولات «الردة» السياسية. فالشراكة السياسية ستمثّل قاعدة السلطة، وهو ما سيوفّر فرصة مهمة للمعارضة والمجتمع المدني للدفاع عن الحقوق والحريات بشكل فعال.

٭ كاتب صحافي وعضو باتحاد الكتّاب التونسيين/”القدس العربي”