الرئيسية / وجهات نظر / الجزائر: لماذا لا يسند الشعب المعارضة
AZRAJE OMAR

الجزائر: لماذا لا يسند الشعب المعارضة

في هذا الأسبوع واصلت أطياف من المعارضة الجزائرية التظاهر في الشارع في اختبار آخر لردود فعل النظام الحاكم ولموقف الشعب الجزائري منها ومن النظام نفسه معا. ولقد وصفت وسائل الإعلام الجزائرية التابعة للقطاع الخاص وقفة أحزاب المعارضة التي خصّصت، ظاهريا، للتضامن مع مواطني الجنوب الجزائري الرافضين بقوة لمشروع استغلال الغاز الصخري، الذي تحاول الحكومة الجزائرية منذ مدة تمريره بطرق مختلفة، بأنها قد تحولت إلى “معركة كرّ وفرّ” بين قوات الشرطة التي نشرت في الأماكن الحساسة وسط عاصمة البلاد وبين المتظاهرين، مما أدى إلى اعتقال عدد منهم. من ناحية تعداد المتظاهرين فإن الوقفة لم تتمكن من حشد جمهور غفير، حيث أن حضور عدد من رؤساء الأحزاب ونفر من النواب إلى جانب رئيسيْ الحكومة سابقا، أحمد بن بيتور وعلي بن فليس، وعدد من الناشطين السياسيين، وعناصر شعبية قليلة، ليس كافيا لزعزعة النظام الحاكم وتهديد كيانه.
في هذا السياق يمكن القول بأن قيادة وتأطير هذه الوقفة فقط من طرف كل من الأمين العام لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية محسن بلعباس، ورئيس حركة مجتمع السلم عبدالرزاق مقري ورئيسها السابق أبو جرة سلطاني، والأمينيْن العامين لكل من حركة النهضة محمد ذوي وحركة الإصلاح جهيد يونسي، ورئيسي الحكومة السابقين أحمد بن بيتور وعلي بن فليس، والمؤرخ والناشط السياسي محمد أزرقي فراد، فضلا عن عدد من النواب وفي المقدمة نواب التكتل الأخضر ونواب الإرسيدي، أمر يوضح بالملموس أن المعارضة الجزائرية غير موحّدة ومتماسكة، وأنها في الوقت نفسه لا تزال بعيدة عن تحريك الملايين من أبناء الشعب الجزائري، الذين أصبحوا يتنزّهون بعيدا عن الأحداث السياسية عدا بعض التحركات الضعيفة التي لم ترقَ بعد لمصاف المد الشعبي المنظم في أطر سياسية وثقافية وجمعوية عبر القطر كله.
في هذا الإطار برر أبو جرة سلطاني، رئيس حزب حمس الإسلامي سابقا، في تصريحه للصحافة بعد انتهاء الوقفة الاحتجاجية، عدم المشاركة الشعبية العارمة بقوله إن الوقفة هي مجرد تحرك “رمزي وليست دعوة إلى حشود”، وفي الوقت نفسه صرّح النائب السابق في البرلمان عن حزب القوى الاشتراكية محمد فراد بأن هذه الوقفة قد عرّت ضعف السلطة وبيّنت أنها سلطة قمعية، ثم أوضح قائلا بأن الانتصار لم يكن كبيرا رغم أهمية ما أنجزته هذه الوقفة وذلك في تلميح منه إلى أهمية الكشف عن حقيقة النظام الحاكم الذي يلجأ باستمرار إلى استعراض عضلاته واستخدام القوة الأمنية لقمع أي تظاهرة سلمية حتى لو كانت بسيطة، علما أن الأمن الجزائري، ذاته، قد خرج منذ مدة غير طويلة في مظاهرة عُدّت الأولى من نوعها في التاريخ السياسي الجزائري منذ استقلال البلاد، وكانت مظاهرته بدافع المطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لقطاع الشرطة الوطنية.
المسألة المهمة التي أبرزتها هذه الوقفة والتحركات الأخرى السابقة – التي لم تقدر على إشعال فتيل حركة وطنية شعبية واعية ومؤطرة عبر الوطن كله لها قيادة منظمة وفاعلة من أجل إحداث تحول حقيقي في الساحة السياسية الوطنية وإجبار النظام الحاكم على ترك السلطة وتطهير الجزائر من الأزمات – يتضمنها هذا السؤال: لماذا عجزت المعارضة الجزائرية على تأطير الشعب الجزائري وإقناعه بخطاباتها؟ وهل يعود ذلك إلى تمكن النظام الحاكم من تجريد هذا الشعب من الحس السياسي بعد إغراقه في الأزمات المركبة وأصبح يفكر فقط في التحايل على لقمة العيش؟ أم أن المشكل يكمن حقا في غياب الثقة بينه وبين ما يسمّى بأطياف المعارضة؟
لا شك أن القراءة الموضوعية للوضع السياسي الجزائري ستؤدي إلى تقديم عدد من الأجوبة على هذا السؤال المطروح بإلحاح وقوة. وفي البداية فإنه ينبغي الإنصات إلى بعض التصريحات التي يدلي بها أفراد الشعب الجزائري لكي نفهم سبب تواصل تدهور الرصيد الشعبي للمعارضة، وإدارة الظهر في الوقت نفسه للنظام الحاكم على نحو متزامن، الأمر الذي جمّد ولا يزال يجمّد الحياة السياسية الجزائرية.
من المعروف أن أغلبية أحزاب المعارضة كانت في الماضي القريب بوقا للنظام سواء في شكل تحالف رئاسي وتقاسم الوزارات، أو النوم معه في فراشي مجلس الأمة والبرلمان ولجانهما المختلفة، أو في صورة الإخفاق الذريع في إدارة شؤون المواطنين والمواطنات في البلديات والمحافظات التي تسيطر عليها هذه الأحزاب. أما بالنسبة إلى ما يسمّى بالشخصيات الوطنية المعارضة، فإن الكثير من أفرادها كانوا أيضا جزءا عضويا في تركيبة السلطة داخل الهيكل العام للنظام الحاكم نفسه.

إن هذا التاريخ الثقيل جردها، ولا يزال، من أي مصداقية أخلاقية وسياسية أمام المواطنين والمواطنات الذين يؤمنون بأن ديكتاتور الأمس لا يمكن أن يصبح حمامة للديمقراطية بين ليلة وضحاها. إلى جانب ذلك فإن الشعب الجزائري يملك حاسة سادسة، حيث يدرك أن المعركة بين النظام والمعارضة، باعتبارها نظاما في الاحتياط مماثلا له ومتطابقا معه في البنية النفسية وفي الذهنية السياسية الانتهازية، ليست من أجل الشعب ومصالحه العليا، وإنما من أجل الاستيلاء على كراسي الحكم.
هناك تفسير يضاف إلى هذا التفسير لهشاشة المعارضة وهو أن هذه الأخيرة لا تملك فكرا سياسيا وعقائديا ونظرية علمية لإدارة الدولة اقتصاديا واجتماعيا وفكريا وثقافيا وتنظيما جماليا للعمران. فمن ناحية الفعالية السياسية فإن ما يسمّى بالمعارضة، أحزابا وأفرادا، تفتقد إلى نظرية الهيمنة والهيمنة المعاكسة اللتين بدونهما لا يمكن خلق حياة سياسية صراعية ناضجة ومتحضرة. بسبب كل هذه النقائص الكبيرة نجد 9 ملايين طالب وطالبة لا علاقة لهم بتحركات المعارضة، كما نجد أن ما لا يقل عن 5 ملايين من العمال والعاملات خارج مدارها، علما أن نقابة العمال قد أصبحت في قبضة النظام الجزائري إلى جانب سيطرته ماديا على جمعيات وروابط المجتمع المدني المحتشم. في ظل هذه الظروف تبقى أطياف المعارضة الجزائرية مجرد مبرر لوجود النظام الحاكم الذي أجهض ولا يزال أي نواة تغيير يمكن أن تنمو في الفضاء السياسي الوطني نموا طبيعيا.

* كاتب جزائري/”العرب”