الرئيسية / وجهات نظر / التوافق في ليبيا استحقاق دولي
MOHAMED KRICHANE

التوافق في ليبيا استحقاق دولي

غدا الخميس لن يجتمعوا في المغرب كما كان مقررا، لكنهم لن يملكوا خيار المماطلة لوقت أطول، ولا القوى الكبرى تملك ترف ذلك أيضا. جلسة المفاوضات غير المباشرة برعاية الأمم المتحدة بين وفد من مجلس النواب الليبي وآخر من المؤتمر الوطني العام اللذين يتنازعان، والحكومتان المنبثقتان عنهما، شرعية حكم البلاد، كان يفترض أن تكون استمرارا لجلستي حوار عقدتا في غدامس في ليبيا ثم في جينيف من أجل التوصل إلى تسوية سياسية متكاملة تنهي تمزق البلاد.
في كلا المعسكرين المتنازعين أصوات عاقلة وأخرى متشنجة، الأولى تؤيد التوافق مخرجا للبلاد من التناحر أما الثانية فتدفع في اتجاه مزيد التصعيد واهمة بإمكانية الحسم العسكري. والواضح تماما اليوم أن الأمم المتحدة وكل الدول الكبرى حزمت أمرها في الإتجاه الأول وقد لا تترك للآخرين فرصة العبث أكثر بإمكانية التوصل إلى تسوية باتت اليوم وبإلحاح مصلحة غربية عامة وأوروبية خاصة للحيلولة دون مزيد تمدد تنظيمات مثل «تنظيم الدولة الإسلامية» و»أنصار الشريعة. لقد استفادوا، على ما يبدو، من الدرس السوري فأصبحوا غير مستعدين لترك الأوضاع تزداد تعفنا حتى تخرج عن سيطرة الجميع.
مجرد مثال: في الوقت الذي يقول فيه محمد الدايري وزير الخارجية في حكومة عبد الله الثني إن الهدف هو «إيقاف حمام الدم الليبي وتحقيق توافق وطني سلمي بين الليبيين مهما كانت توجهاتهم الفكرية أو الجهوية (المناطقية)» معربا عن الأمل في أن «يكون خطر الإرهاب دافعا لكافة الليبيين لتشكيل حكومة وطنية تشمل الجميع»، نرى رئيس الوزراء السابق علي زيدان يعتبر أن الهدف من وراء المطالبة بضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية هو «مجاملة التيارات المتطرفة».
كان يفترض من رئيس وزراء سابق أن يعلم قبل غيره أن هناك اليوم في الحقيقة مشكلة شرعية في البلاد. صحيح أن مجلس النواب المنتخب هو الجهة المعترف بها دوليا لكن هذا المجلس ليس خاليا من شوائب جوهرية وإجرائية تتعلق بحكم المحكمة الدستورية ببطلانه ومكان انعقاده ومسألة تسلمه الأمانة من سلفه المؤتمر الوطني العام، تماما مثلما أن هذا المؤتمر الذي أعاد إحياء نفسه بنفسه يطرح بدوره مدى شرعية أن يفعل ذلك بعدما قال الشعب كلمته واختار نوابا جددا. ولهذا السبب فليبيا الآن مقسمة بين حكومة يديرها عبد الله الثني منبثقة عن مجلس النواب ولا تسيطر إلا على جزء من تراب البلاد، تماما مثل الحكومة الموازية التي يرأسها عمر الحاسي المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام، والتي لا تسيطر بدورها إلا على جزء من البلاد.
يكفي متابعة الكلمات التي ألقيت في الإجتماع الأخير لمجلس الأمن الدولي، من المبعوث الدولي إلى ليبيا برناردينو ليون إلى آخر متدخل ومن أهمهم الجار التونسي والجزائري، لإدراك أن مسألة حكومة التوافق الليبية ليست أماني طيبة للشعب الليبي بل حاجة دولية واستحقاق ملح لا يحتمل المزيد من الانتظار. بل حتى قبل هذا الاجتماع، يمثل الموقف الصادر من روما عن عدد من الدول الغربية الداعم للتسوية السياسية والرافض للتدخل العسكري ورفع حظر التسلح عن الحكومة المعترف بها دوليا رسالة قوية إلى كل أولئك الذين يعتقدون أنه بالإمكان الانتصار لطرف دون آخر بغض النظر عن أية تبعات أخرى. وحتى حين اجتمع عدد من نواب برلمان طبرق مع عدد من الدبلوماسيين الغربيين في تونس في الثاني عشر من الشهر الحالي أكد هؤلاء الدبلوماسيون حتمية التوافق لوضع حد لهذا الصراع مع ضرورة تحييد اللواء المتقاعد خليفة حفتر قائد «عملية الكرامة» كشخصية جدلية وعدم استبعاد التعامل مع جماعة «فجر ليبيا» لأنها برأيهم ليست جماعة إرهابية على عكس ما يصفونها به خصومها.
ومع عدم إهمال أن وراء كل من هذين الطرفين المتناحرين قوى إقليمية متنافسة، فإن القرار الدولي المتخذ الآن هو الدفع في اتجاه تسوية بينهما ليس فقط لأن لا أحد قادرا على الحسم وأن لا أحد منهما محتكرا الصواب برمته أو الخطأ برمته، بل – وهذا هو الأهم لأن استمرار النزاع بينهما كلفته كبيرة لساحل على المتوسط بطول 1955 كيلومترا يطل على أوروبا. هذا هو بالتحديد وقبل أي شيء آخر ما سيفشل المسعى الأردني الحالي في مجلس الأمن المدعوم مصريا. وقد كان لأحد أعضاء مجلس النواب الليبي جرأة الإصداع، ولو مع إخفاء هويته، أن التغيب عن المشاركة في اجتماع المغرب مرده الخوف من أن تـُـفرض عليهم حكومة توافق تحظى فورا باعتراف المجتمع الدولي.. ولكن إلى متى سيتم التهرب من هكذا وبأي تكلفة؟! لا مفر من ذلك، حتى وإن كانت له بالنسبة لكلا الطرفين المتخاصمين مرارة «وداوني بالتي كانت هي الداء».

٭ كاتب وإعلامي تونسي/”القدس العربي”