الرئيسية / وجهات نظر / إسلاميو تونس في الحكم وفي المعارضة وفي الشعانبي
مصطفى-القلعي

إسلاميو تونس في الحكم وفي المعارضة وفي الشعانبي

لقد بدأ غزو الإسلاميين للساحةَ التونسية منذ عودة رئيس حركة النهضة الإخوانية راشد الغنوشي من إقامته في لندن إلى تونس واستقباله بنشيد “أقبل البدر علينا” في مطار قرطاج يوم 30 يناير 2011، أسبوعين إثر فرار زين العابدين بن علي. واليوم، وبعد أن ختم المسار الانتخابي التونسي وتمّ الانتهاء من تركيز مؤسسات الحكم الدائمة في تونس، صار من الممكن تقييم واقع الإسلاميين وضبط موقعهم في تونس، لاسيما أنّهم مروا بالحكم وخاضوا تجربة “الترويكا” طيلة أكثر من سنتين في تونس عقب انتخابات موفى 2011 التأسيسية.
ومباشرة بعد إعلان نتائج انتخابات 2014 وفوز نداء تونس بالتشريعية ورئيسه الباجي قايد السبسي بالرئاسية، استبشر الرأي العام في تونس وتخلص التونسيون من حالة التوتر والانقباض اللتين تلبستا بهم جراء ما كانوا يعيشونه من رمادية وضبابية متعلقة بمستقبل بلدهم، بسبب ما عاينوه عند إسلاميي النهضة من ازدواجية في الخطاب، وتردّد في إعلان الولاء لتونس، وتغامز وتوادد مع السلفيين المتشددين.
لقد كان الإجماع كاملا في تونس بين مختلف مكونات الطيف السياسي والمدني حول فشل إسلاميي النهضة في قيادة ائتلاف “الترويكا” الحاكم، من جهة، وحول تعاطيهم المشبوه مع المتشددين، لاسيما أنّ هؤلاء لم يتأخروا في الإعلان عن مشروعهم الطامح إلى الاستيلاء على الحكم بغير الانتخابات طبعا، وتغيير طبيعة المجتمع التونسي، وإقامة دولة موالية لدولة الخلافة قائمة على الشريعة وإقامة الحدود. ففي الوقت الذي كان فيه المتشددون يستولون على كلية الآداب بمنوبة ويعتدون على طلابها وأساتذتها ويعطّلون الدروس فيها ويعلنون إمارة في سجنان، شمال تونس، ويحتلون كافة المساجد ومنها يصدرون فتاوى التكفير وإباحة الدماء ويقيمون خيمات الدعوة والانتداب في كلّ ساحة وشارع، كان رئيس حركة النهضة يدافع عنهم قائلا “إنهم يبشّرون بثقافة جديدة ولا يشكلون خطرا على تونس”.
لا بد من التذكير أنه وقع اختزال الحملة الانتخابية التونسية بشكل مخلّ في عملية التقاطب القائمة على شحن الناخبين نحو آلية التصويت المفيد على أساس التصارع بين مشروعين سياسيين ورؤيتين للمجتمع والدولة؛ الأولى يمثلها الإسلاميون والمحافظون بقيادة حركة النهضة وحزب المؤتمر والرئيس المؤقت السابق منصف المرزوقي، والثانية مدافعة عن الديمقراطية والدولة المدنية وحقوق المرأة وتتكون من الجبهة الشعبية ونداء تونس أساسا.
كان التونسيون يعتقدون أنه بفوز أحد الشقين سينتهي تقدم الآخر وسيبتعد عن مركز القرار وعن إدارة الدولة والشأن العام. وانخرطوا في الحملة الانتخابية وفي عملية الاقتراع على هذا الأساس بحماس بالغ. وبعد حسم التشريعية لفائدة الشق المدني الديمقراطي، لم يخبُ حماس التونسيين، بل استمروا مشحونين بنفس الحماس في جولتي الرئاسية إلى أن اكتسح الشق المدني الديمقراطي الانتخابات وفاز نداء تونس بالتشريعية ورئيسه السبسي بالرئاسية.
ولكن ذلك لم يحدث. وارتأى الحزب الفائز أن يجعل الصورة الناتجة عن الانتخابات متسربلة بالغموض، لاسيما فيما يتصل بواقع الإسلاميين وموقعهم. وبدأت تتشكّل ملامح شراكة كاملة في مختلف مؤسسات الحكم بين نداء تونس والنهضة. فبعد منح حركة النهضة منصب النائب الأول لرئيس مجلس نواب الشعب، فاجأ الحزب الأغلبي ناخبيه والرأي العام في تونس بإشراك النهضة في الحكومة، هذا مع تواصل التشاور الدائم بين السبسي والغنوشي بشكل معلن قليلا، وخفي كثيرا.
أكثر من هذا قبل الانتخابات، كان حزب نداء تونس يشارك بقية الطيف المدني والديمقراطي في المسيرات والمظاهرات والاعتصامات المندّدة بحركة النهضة وبمسؤوليتها في تعطيل المسار الثوري وفي تيسير طريق الإرهاب التكفيري في تونس. وبعد الانتخابات وفوزه الكاسح فيها، صار حزب نداء تونس يسير جنبا إلى جنب مع حركة النهضة في تنظيم المسيرات والمظاهرات المندّدة بالإرهاب.
ومن الغريب المريب في الساحة السياسية التونسية اليوم أنّ شريكي الحكم النداء والنهضة يتدخّلان بشكل واضح في تشكيل المعارضة بعد أن تشاركا في تشكيل مؤسسات الحكم. بل إنّ الحزب الحاكم اليوم في تونس منقاد بعمى كامل خلف حليفه النهضوي، بما يهدّد بتحنيط المسار الديمقراطي. ويتجلّى انقياد النداء وراء النهضة في تشكيل المعارضة البرلمانية. فقد شهد مجلس نواب الشعب التونسي حركات مشبوهة لخلق تجمّع برلماني على عجل يتكون من نواب أحزاب الأقلية الموالي أغلبها للنهضة، مثل حزب التيار الديمقراطي وحزب المبادرة الدستورية الموالي لنداء تونس، لتمكينها من التمثيل ضمن اللجان البرلمانية ومن ترؤس لجنة المالية وإقصاء كتلة الجبهة الشعبية من أي تمثيل في اللجان. وهذا ما تريده النهضة وما خططت له طويلا، باعتبار العداء القائم بينها وبين الجبهة، لاسيما أنّ الجبهة تتهمها بدم شهدائها وطلبت من نداء تونس بإلحاح عدم إشراكها في الحكم.
كما أنّ ما يحصل في مجلس نواب الشعب من مداورة وتلاعب بمفهوم المعارضة، سيشكل خطرا حقيقيا على الديمقراطية الناشئة في تونس، إذ أنه سيخلق معارضة كارتونية موالية للحكومة مساندة لها سائرة في ركابها، لا معارضة وطنية نقدية تكون قوة اقتراح وتشكل بديلا جاهزا لخدمة الشعب التونسي الذي ربع سكّانه من الفقراء (حوالي 3 مليون فقير)، كما أقرّ بذلك وزير الشؤون الاجتماعية التونسي عمار الينباعي.
المعارضة القريبة من النهضة الممثلة في البرلمان (المؤتمر من أجل الجمهورية ورئيسه عماد الدايمي) وغير الممثلة فيه (حزب البناء الوطني ورئيسه رياض الشعيبي المنشق عن حركة النهضة) كانت قريبة من الاحتجاجات التي اندلعت في الجنوب التونسي ضد الدولة المشاركة فيها حركة النهضة. وسرعان ما طالبت هذه المعارضة بضرورة اعتراف تونس بميليشيات فجر ليبيا، ذات الخلفية الإخوانية، المتمركزة في المناطق الحدودية مع تونس مثل الزاوية وزوارة. ولم تكن الدعوة مجانية ولا تلقائية ولا بريئة.
وفي الوقت نفسه الذي يتواجد فيه شق من الإسلاميين في الحكم (النهضة) وفي المعارضة (المؤتمر والتيار الديمقراطي)، يرفع شق آخر منهم السلاح بوجه الدولة والشعب في جبال الشعانبي وورغة وسمامة ويمعن في سفك دماء التونسيين وتهديد وجود دولتهم وتوعّدهم بالدمار والخراب. فلم تتوقف العمليات الإرهابية التي يذهب ضحيتها أمنيون وعسكريون ينتمون أغلبهم إلى الطبقات والفئات والجهات المفقّرة.
فمن غرائب الحالة التونسية أنّ الإسلاميين موجودون في الحكم وفي المعارضة ويشكلون المجموعات الإرهابية في الجبال؛ هم شركاء في الحكم، وفي الوقت نفسه ينتمون إلى المعارضة بأدوار مختلفة بين المعاضدة البرلمانية المستترة والسعي إلى التأثير في السياسة الخارجية التونسية في ملف خطير بحجم الملف الليبي، بما يخدم أجندا بعينها قد تضر بمصالح تونس بشكل كبير. كما أنّ خطر التكفيريين منهم الذين ساندتهم حركة النهضة وتغاضت عنهم لمّا كانت في الحكم يتضاعف يوما بعد يوم. حالة غريبة زاد في غرابتها ارتباك الحزب الحاكم في تقدير طبيعة المرحلة، والمراهنة على من كان يعتبرهم رمز الفشل والإرهاب في تونس ليشاركوه حكمه، مقابل الانقياد وراء استراتيجية إضعاف حلفائه القدامى.

* كاتب وباحث سياسي من تونس/”العرب”