الرئيسية / وجهات نظر / “عشرين فبراير”.. حكاية وهم!!!
BOUKHAZER

“عشرين فبراير”.. حكاية وهم!!!

أصبحت “عشرين فبراير” مجرد ذكرى، ورقما في اقصر شهور السنة الميلادية، مثلما كان عمر الحركة نفسها قصيرا وسريعا. لمعت كالبرق الخاطف ثم توارت عن أنظار ظلت شاخصة نحوها، دون ان تدركها.
وسيكون ظلما للحركة، في الذكرى الرابعة لخروجها الى العلن، إن وقعنا في خطأ تضخيم صورتها والمبالغة في دورها، كما درجت على ذلك كتابات انفعالية متسرعة، اتخذتها مطية لتصفية حساباتها الثأرية مع النظام.
لا يجوز أيضا، تبخيس صورتها والنزول بها الى الحظيظ، ولا تحميلها ما لا طاقة لها به. إنها في خاتمة المطاف شكل من أشكال التمرد والاحتجاج العفوي، لجأت اليه فئة من مجتمع متحرك ومنفتح على العصر وما يحدث، قريبا وبعيدا عنه.
تفاعل الشباب المغربي، تلقائيا مع حركات احتجاج اندلعت في بلدان عربية أخرى: تونس اولا، ثم انتقلت العدوى الى مصر التي كانت تصنف بكونها معزولة وممتنعة، وفي مأمن من الحراك الاجتماعي، لكن ألسنة اللهب أتت على الأخضر واليابس فيها، ودخلت ارض الكنانة في مسلسل دراماتيكي تتوالى فصوله .
وسواء في تونس او مصر، فقد توفرت أسباب وشروط موضوعية، دفعت الناس والشباب للخروج والانتفاض لاقيا استعدادا وتجاوبا من جماهير الشعب للتعبير عن تذمرها وسخطها على نظام سياسي شائخ، انتشرت فيه كل مباذل الحكم.
ولم يكن المغرب في وضعية مماثلة ولا شبيهة لما طال في البلدين العربيين، لا من قريب ولا من بعيد.
وكان من الطبيعي ان يتسم حراك الشباب المغربي، بخصوصياته المتفردة، متأثرا بالثقافة السياسية السائدة فيه. . كان سلميا، وبتعبير اخلاقي، مهذبا، لم يتجاوز عموما الخطوط الحمراء، الا في الحدود المسموح بها، دون ان يشكل، اي التجاوز، في يوم من ايام الاحتجاج، خطرا على الدولة او تهديدا لاستتباب الأمن والاستقرار فيها، لدرجة انه بدا لمراقبيين، تابعوا الأحداث في حينها، وكأن الطرفين: المحتجون الغاضبون، والدولة المحافظة على رباطة جأشها، متفقان فيما بينهما على ان يلعب كل واحد الدور الموكل اليه في الرقعة المحددة لكليهما.
وليس في هذا التوصيف انتقاصا من، عشرين فبراير، ولا مديحا لموقف أجهزة الدولة او تبريرا لأخطاء ربما صدرت عنها.
لقد حاولت فئات سياسوية وتنظيمات غامضة ومشبوهة، ركوب موجة حراك،عشرين فبراير، واستغلال براءة الشباب وعذريتهم السياسية. اندسوا في الصفوف ورفعوا شعارات متناقضة مع توجهات الفبراريين. رأى الناس صور، تشي غيڤارا، ووجوها دينية بالعمائم واللحى. فكان طبيعيا ان يحدث تصدع في الصفوف وانهيار تحالفات اضطرارية، أنقذت البلاد من مأزق سياسي خطير كانت القوى الدخيلة على الحركة تدفع في اتجاهه ونحو التصعيد والتأزيم، لينتج عن ذلك، حسب تحليلاتهم المبسطة، وضع ناضج لإعلان الثورة والسيطرة على الحكم. انها أوهام اليسار الجذري العدمي في كل مكان.
بعد أربع سنوات، تنتسب حركة،عشرين فبراير، الى التاريخ.يستحيل إحياؤها وهي رميم أو استعادة وهجها المفقود. تلك سنة الله في خلقه. لكن سيظل الجدل واختلاف الرأي قائما حولها، الى حين من الدهر: بين من يعليها نحو المراتب الثورية العليا ومصاف الطهرانية المطلقة، ومن ينظر اليها بموضوعية ويصنفها ضمن إطار الاحتجاجات والحركات المنادية بالإصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية، ومثيلاتها كثيرة في التاريخ المغربي الحديث.
ومن باب الإنصاف الإشادة بموقف تاريخي اتخذه الفبراريون. لا يهم ان كانوا واعين به أم ألهمتهم اليه عوامل وظروف وسياقات الاضطراب والحيرة. أوقفوا الاحتجاج والنزول الى الشوارع، وطووا الشعارات، في اللحظة المناسبة.ثاروا على الواقع الاجتماعي العنيد، ثم ختموا بالثورة على أنفسهم.
تأكدوا، بما لا يدع مجالا للشك، ان الجموع الشعبية تنفرط من حولهم او تتفرج عليهم بلا مبالاة، في الشوارع والساحات العمومية، ودون حراك او تفاعل مشارك، فهؤلاء المتفرجون، اكتشفوا بدورهم ان قوة، عشرين فبراير، محدودة كما ان صفوفهم ليست صافية ولا بريئة: فبين شعارات ماركسية تمجد أنظمة الاستبداد في كوريا وكوبا، وبين أخرى تحاور السماء والعالم الآخر، ضاعت حقيقة المطالب الغامضة التي رفعها أنصار، فبراير، في البدايات الأولى للتظاهر.
لم يخدع الفبراريون، من طرف القوى التي زاحمتهم او استغلت حضورهم في الشارع. كانوا مثاليين وعفويين وتلقائيين اكثر من اللازم، حتى لا نقول مجرد مقلدين وناقلين ومنفعلين بما كان يجري بعيدا عنهم دون رابط قوي، سوى ادوات التواصل الاجتماعي ؛ وبالتالي فقد حلق الفبراريون في عوالم معلقة، بين الواقع والافتراض، فسهل الانقضاض عليهم من القوى الحليفة وهي المدربة وذات الباع الطويلة في المناورة والتاكتيك والمكيافيلية. اصبحوا عراة في الشارع.
وبعيدا عن اي تزلف او تضليل في التحليل، يجوز القول ان الملك محمد السادس، أنقذ الفبراريين أنفسهم، من مصير محتوم، أسوأ من الذي طال رفاقهم في مصر وتونس واليمن وغيرهما.
أدرك عاهل البلاد، الجانب الأفضل والخير، في الحركة، اي توقها للإصلاح، حتى ولو عبرت عنه بصورة مرتبكة وفوضوية لم تخل من نزعة شعبوية ورومانسية حالمة.
التقط الملك الإشارة وفهم الرسالة التي ساندت فئات من المغاربة مضمونها ومقاصدها الأساسية، فأعلن حزمة من الإجراءات الثورية، في خطاب التاسع من مارس، الذي بات يوما مشهودا في تاريخ المغرب الحديث، سيظل حاضرا وبقوة في ضمير ووجدان الأجيال القادمة.
هكذا انتهت المباراة السياسية؛ لنقل على سبيل المجاز، بتعادل، استفادت منه البلاد وجنبها انزلاقات خطيرة. الملك امسك في اللحظة الحرجة بالزمام، وتصرف برباطة جأش وإقدام، بل وجد مبررات كافية وإضافية للمضي بعيدا وعميقا، في ورش الإصلاحات الهيكلية التي باشرها منذ توليه الملك.
اما الفبراريون، المثاليون، فستروى القصص والحكايات عنهم، باختلاف اساليب الرواة وقدرتهم الفنية على الامتاع، فضلا عن المغزى الذي ستهدف اليه كل حكاية.
والمؤمل ان يكتب نص أدبي، عن تلك الملحمة السياسية القصيرة والجميلة، او ينجز عنها، على الاقل، شريط وثائقي، يتضمن شهادات وتقييمات ونقدا ذاتيا من أقطابها وأتباعهم، ما داموا على قيد الحياة.
سيكون ذلك أفضل اعتراف بما قامت به الحركة، ضارا او نافعا، بل حتى ولو كان عنوانه “حكاية وهم”!!!